رحيل «عصفور» النور – بقلم ناصر الظاهري

ناصر_الظاهري

رحيل «عصفور» النور – بقلم ناصر الظاهري : لم يرد عام 2021 أن يودع أيامنا التي كانت في غالبها قاسية وموجعة فيه على الكثير، من دون أن تخطف روزنامته ورقتها الأخيرة بنبأ وفاة الكاتب والناقد والمفكر التنويري، ووزير الثقافة المصري د. «جابر عصفور» عن عمر لم يكمل السابعة والسبعين، قضاها بين أروقة الجامعات  العربية والأجنبية معيداً، وقضى شطرها الأكبر باحثاً وناقداً ومجدداً، وما سمح به وقته القصير المتبقي وكيلاً لوزارة الثقافة، ثم وزيراً، ورئيساً للمجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، حيث قام بمهمة جميلة خدم بها الثقافة العربية من خلال مكتبة الأسرة وإصداراتها المتنوعة، والتي كانت في متناول المواطن الفقير، والترجمات المختلفة من اللغات الأجنبية إلى العربية، من خلال المجلس القومي للترجمة.
«جابر عصفور» لا يمكننا القول عنه إلا أنه خسارة للثقافة العربية الجديدة، وإنه كشخص كان يجسد مشروعاً ثقافياً عربياً تنويرياً متكاملاً، وهذا أمر قلما تجده في الشخصيات الثقافية العامة، مثلما تجده في «جابر عصفور» وأمثاله؛ «طه حسين وثروت عكاشه وعبدالوهاب المسيري وجمال حمدان وأدونيس والجابري» باختلاف الاهتمامات وتنوع المجالات، ووفق الظروف الموضوعية.
ولد د. «جابر عصفور» في مدينة المحلّة الكبرى بمحافظة الغربية، نال ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب في جامعة القاهرة عام 1965، وأكمل دراساته العليا فيها الماجستير (1969) والدكتوراه (1973)، عمل أستاذاً في جامعة «استكهولم» في السويد، وجامعتي «وسكونسن وهارفارد» في الولايات المتّحدة.
له اكثر من عشرين كتاباً مختلفاً في التأليف والترجمة، منها: «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي» (1973)، و«مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي» (1978)، و«المرايا المتجاورة: دراسة في نقد طه حسين» (1983)، و«قراءة التراث النقدي» (1991)، و«التنوير يواجه الإظلام» ومحنة التنوير «ودفاعاً عن التنوير» (1993)، و«أنوار العقل» (1996)، و«زمن الرواية» (1999)، و«النقد الأدبي والهوية الثقافية» (2009)، و«قاطرة التقدُّم.. الترجمة ومجتمع المعرفة» (2019).
ومن ترجماته: «عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو» (1985)، و«الماركسية والنقد الأدبي» (1986)، و«اتجاهات النقد المعاصر» (2002)، و«النظرية الأدبية المعاصرة» (1991).
حصل على «جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية» (1996/ 1997)، و«الوسام الثقافي التونسي» عام 1995، و«أفضل كتاب في الدراسة النقدية» من وزارة الثقافة في عام 1984، وأفضل كتاب في الدراسات الأدبية من «مؤسّسة الكويت للتقدّم العلمي» في الكويت عام 1985، و«أفضل كتاب في الدراسات الإنسانية» في «معرض القاهرة الدولي للكتاب» عام 1995، و«جائزة النيل» عام 2019
افتقد «جابر عصفور» الإنسان والصديق والمعلم ورفيق الأسفار في بيروت والقاهرة وشرم الشيخ وباريس والمغرب والإمارات وسوريا، وافتقد تلك اللحظات الحميمية التي كانت تعج بالفائدة والمعرفة وطرق الأسئلة الصعبة في الحياة الأولى، والحياة الآخرة، افتقد دائماً تلك الجلسة على موقد خشبي في باريس في أيام التجلي، والفيض الصوفي، وآهات العشق، وروحانيات المثنوي، وحضور مولانا جلال الدين الرومي، كنت حينها أناديه بـ «عصفور النور»، لأنه جالب المحبة والثقافة بعمقها، ومانح تلك الأسئلة الصاعدة نحو آفاق العالم العظيم، حيث شجرة الحكمة، وأغصان المعرفة.

جريدة الاتحاد

العويس الثقافية