إبراهيم الهاشمي.. القصيدة زاد الشاعر – بقلم علاء الدين محمود

ابراهيم-الهاشمي

«القصيدة تأتي كما تشتهي»، بتلك الكلمات، حدد الشاعر الإماراتي إبراهيم الهاشمي، موقفه من الشعر، فالنص عنده «مخير»، لا يأتي حسب رغبة الكاتب، بل يفرض نفسه وفقاً للظروف المعينة والمشاعر المحددة، سواء كان على مستوى القصيدة الفصيحة أو النبطية، وهما المجالان اللذان برع فيهما الهاشمي، فما على الشاعر إلا أن يتهيأ لموعد النص وولادته التي تأتي كيفما يشاء، والشاعر، وفقاً لذلك، غير متعجل للحظة الميلاد، طالما أن قصيدته، في النهاية، تعبر عن ذاته ودواخله، فالكتابة بالنسبة له تعكس فكر الإنسان ومكنون نفسه، وهي جزء من حياته، وتكشف عن غناه اللغوي وتطور أفكاره، أو كما يقول: «الكاتب إنسان يحب ويكره، ويجنّ ويهلوس ويسعد الناس، وهو مثل أي شخص آخر، كتلة من المشاعر التي تحتاج إلى التعبير عنها».

منذ وقت باكر بدأت علاقة الهاشمي، بالأدب، وكان لوالدته الأثر الكبير في توجهه الإبداعي، فلقد كانت تلقي على مسامعه الكثير من الأشعار والحكايات والأهازيج، فكانت بمثابة المدرسة الأولى التي تعلم منها الكثير من المعارف والقيم التربوية الرفيعة، وكانت تشجعه على إشباع هواياته الأخرى مثل التصوير، ولعل تلك العلاقة بالوالدة، هي التي كان لها الدور الحاسم في حبه للأدب فقد كانت تقول الشعر باستمرار وكانت لغتها لغة أدب، وكذلك كان لوالده أيضاً دور مؤثر في مسيرته، والعديد من أفراد العائلة الذين كان لهم علاقة بالعلوم والثقافة والأدب، حيث كان خاله يقرأ لأفراد الأسرة قصائد، يحرص على إلقائها منغمة كي تستقر في قلوب الجميع.

وكانت لتلك العوالم والأجواء الأثر الكبير في تعلق الهاشمي بالكتب والقراءة، وبالدفاتر التي كان يمارس فيها فعل الشخبطة وخط الكلمات الأولى التي تعلمها، ويقول الهاشمي عن تلك الأجواء: «القراءة بشكل خاص تلعب فيها الأسرة دوراً كبيراً، وأنا – والحمد لله – من عائلة تقدر قيمة الكتاب، فلديّ كتب لجدّي المتوفَّى منذ 50 عاماً، ولديّ كتب بالطباعة الحجرية، ومن أفراد الأسرة الذين غرسوا فيّ حب الكلمة الخال، الذي كان يأتي بقصائد ويقرأها منغمة لنا؛ فحببنا في الشعر والإلقاء، بالإضافة إلى خالتي التي كانت عندما كانت تذهب إلى الحج كانت هداياها لي هي الكتب، إذ كانت تعرف أن إبراهيم يحب القراءة، ومن بين ما اقتنيته من هداياها سيرة بني هلال في طبعة أولى».

عتبة

القراءة كانت هي المدخل والبوابة والعتبة الكبيرة التي جعلت الهاشمي يطلع على العديد من الدرر الأدبية العربية والعالمية، فكانت بمثابة الزاد الذي غذّى وجدانه ونمّى فيه حس الإبداع، فكان أن ضرب موعداً مع الأدب خلال المرحلة الثانوية في دبي، تلك الفترة التي شهدت محاولاته الأولى مع الكتابة من خلال الخاطرة والنثر والمقالة الأدبية، وكان ينشر تلك الإبداعات الأولى في مجلة المدرسة التي كانت تحتشد بالأساتذة المميزين، وبصورة خاصة في مادة اللغة العربية، حيث كانوا يشجعون الطلاب على التعبير والكتابة والقراءة وتقديم أفضل ما لديهم، وكانوا يمدون يد العون لمن تظهر فيها إشارات ودلائل التميز، فكان أن بدأ مشواره مع الكتابة الجادة، حيث كان يبعث مقالاته إلى مجلة «الأزمنة العربية»، في الفترة من 1979، وحتى عام 1981، وكان حينها لايزال طالباً، واستمر في الكتابة لها حتى أصبح مسؤولاً فيها عن كتابات ومقالات ومشاركات القراء، وكان لتلك الفترة دور كبير في صقل تجربة الهاشمي، حيث تعلم خلالها تقنيات الكتابة الإبداعية، وزودته بالكثير من المعارف والاطلاع على تجارب شعراء ومبدعين كثر، مثل محمد غباش، وغانم غباش، وأحمد أمين المدني، الذين كانوا له بمثابة المدرسة، ويقول الهاشمي عن تلك الفترة: «كانت مرحلة ثرية وعامرة بالأفكار والمعارف، وكنا حينها صغاراً نقبل على الحياة الأدبية بأفق مفتوح».

تعلق قلب الهاشمي بالشعر، وكان يرسل أولى نصوصه إلى صحيفة «الخليج»، والتي كانت تضم في ذلك الوقت الكثير من الأسماء اللامعة، وكان للصحف بصورة عامة، حينها تأثير كبير على الحياة الثقافية، فقد كانت الملاذ للشعراء والأدباء حيث كانوا ينشرون فيها أعمالهم، وتأثر الهاشمي حينها بالكثير من الشعراء الذين أثروا وجدانه وكان لهم دور كبير وواضح في مفردته ومواضيعه الشعرية القدامى منهم والمعاصرين، فكان أن تأثر بصورة خاصة بالمتنبي، وابن الفارض، أمّا من الشعراء المعاصرين فهو يحمل حباً خاصاً لمحمود درويش، والشاعر السعودي عبد الله الصيخان، وحبيب الصايغ، وعارف الخاجة، ومحمد سعيد الجواهري، وعارف الساعدي، وغيرهم ممن أثروا تجربته ومسيرته الشعرية.

خوف واحترام

لعل من أكثر الأشياء التي اشتهر وعرف بها الهاشمي، هي التأني في كتابة القصيدة وإصدار أعماله الشعرية، وذلك لأنه يحترم جمهور الشعر إلى درجة الخوف، ويخشى أن يكتب أعمالاً ونصوصاً لا ترضي طموحه وتطلعات القراء، فهو دائماً ما يكتب القصيدة ويظل محتفظاً بها حيث إن خوفه من الجمهور واحترامه للقارئ يجعلانه يتريث دائماً في نشر أعماله، ويقوم بتنقيحها ومراجعتها أكثر من مرة، وهو يقول عن ذلك الأمر: «إن الإنسان دائم التطور، والكاتب يزداد نضجاً مع الوقت، ولابد أن ينعكس هذا على أعماله، موضحاً أن الخوف من الجمهور وهاجس التجويد قد يحملان وجهين للكاتب، فقد يساعدانه على تقديم عمله في أفضل صورة ممكنة، أو يتحولان إلى عائق»، وربما ذلك ما جعل مسيرة الهاشمي حافلة بالنصوص والدواوين الشعرية التي وجدت القبول الكبير من قبل النقاد والقراء.

وعلى الرغم من أن القصيدة، نبطية كانت أو فصيحة، تأخذ وقتا قبل أن تخرج إلى الجمهور، إلا أن الهاشمي أثرى المكتبة الإماراتية والعربية بالعديد من المجموعات الشعرية منها: «مناخات أولى»، الذي صدر عام 1996، إضافة إلى دواوين أخرى مثل: «قلق»، و«تفاصيل»، و«شعر»، وإلى جانب القصيد، فإن للهاشمي إبداعات في مجال التراث خاصة الشعر، حيث قام بتأليف بحوث ودراسات عن الشعر في الدولة، والعديد من شعراء الإمارات.

إبراهيم الهاشمي.. القصيدة زاد الشاعر – بقلم علاء الدين محمود

جريدة الخليج