الخضر شودار: الشعر لا يتأثر بالشعر وحده

منذ أعوام وأنا كالأطفال/ أخبئ كلمات الآخرين/ لنفسي/ تخرج بيضاء/ وتدور مع كل شيء/ إلى أن تأتي إليّ/ كلمات داخل كلمات”. هكذا يقول الشاعر الجزائري المقيم في شيكاغو، الخضر شودار، في كتابه الشعري الجديد: “الجهة الأخرى من الأشياء”. فهو الشاعر الذي يذهب دائمًا إلى أمكنة بعيدة في لغته الشفافة. للخضر شودار، أيضًا، ترجمات لشعراء من أماكن مختلفة من العالم، منها ترجمته لقصائد الشاعرة اللوكسمبورغية، أنيز كولتز “كان لي اسم آخر” الصادرة عن دار طباق في فلسطين، و”العالم يمشي معي” للشاعرة نفسها، الصادر عن دار خطوط وظلال، وترجمة لقصائد وشذرات الشاعر الفرنسي، آلان بوسكيه “ملمسك ناعم كموت شجرة”، وكذلك، ترجمته لقصائد الشاعرة الأميركية لويز غليك، بعنوان: “الموسيقى المشوشة التي تأتي من الأشجار” الصادرين عن دار خطوط وظلال.
أحببت بعد حوارات معه حول الشعر والكتابة، بفضل صداقتنا الجميلة، أن أنقل إلى القارئ ذلك الأثر، وأن أذهب بعيدًا معه إلى تلك الأماكن الخفية في كتابه “الجهة الأخرى من الأشياء”، الذي شعرت أنه أضاف لي كثيرًا، ففي لغته حقًا مكان قصي وبعيد. كما أثرت ترجماته أيضًا بي، وعرفتني على أسماء شعراء وشاعرات من العالم، وعلى شعر متنوع ومختلف.

(*) في أكثر من قصيدة في كتابك “الجهة الأخرى من الأشياء” تحضر الطفولة، وكأن الشعر هو عودة إليها. تقول: “أحتاج إلى أكثر من عزلة كي أخرج إلى الأشياء كما كنت طفلًا”. ربما الشعر هو تلك العزلة.
ربما، لأن الثقافة بعد التجارب والدراسة لم تمنح الطفولة شيئًا أعمق مما منحته الطبيعة. لا أعرف إن كان في وسعي التفكير في الشعر بعيدًا عن العزلة. لا شك في أن الطفولة الأولى، بالنسبة إلي، كانت تتنفس في عزلة بدائية عشتها لامباليًا بشعوري كطفل لا يعرف عن العالم والأشياء أبعد مما يتلقفه الحس والمخيلة. أذكر أني كنت أقضي وقتًا طويلًا في الرعي وحيدًا في البرية، مسليًا نفسي بالمشي في غمار حقول القمح، أو تحت رؤوس أزهار عباد الشمس. ولا أدري إن كان لهذا علاقة خفية بتداعي بعض الصور في النصوص التي أكتبها.  أتخيل أن الشعر يذهب إلى العزلة؛ بل إن كل إنسان هو بشكل أو آخر وحيد مع نفسه، فوحدها العزلة تغطي الأسرار. كان هولدرلين يقول بأننا تعساء، لأننا عاجزون عن العزلة، حين لا يعرف أحدنا كيف يجلس وحيدًا إلى نفسه. الشعر، بلا شك، عزلة بين أشكال أخرى متعددة من “العزلات” في عالم يدور الكلام فيه، اليوم، حول الجينات الأنانية إلى الحيوان الاجتماعي. أكثر نصوص “الجهة الأخرى من الأشياء” هي نتاج عزلة قصية ومليئة؛ ولعلك عثرت على ذلك بنفسك منذ فاتحة الكتاب: “ألا تنتمي إلى العالم”. ما يذكرني بعبارة لأوكتافيو باث: “لن أعطي حياتي لهذه الحياة: فقصتي الحقيقية في مكان آخر”.

(*) يبدو أن الصمت في شعرك يقول أشياء كثيرة، أو كأنك تقول الأشياء لتتحدث عن ذلك الصمت. وفي إحدى شذراتك تقول: “يبقى الشعر صامتًا حتى لو قرأته بصوت عال”. حدثني عن ذلك الصمت.
هنالك صمت داخلي عالق بالمخيلة على الدوام، يلازم طويلًا الحس الشعري قبل تمثله في صورة ما من الكلام، أو الكتابة. حين يكون الشعر مجرد “هيولى”، أو مادة بلا قوام ولا شكل، ويكون على المخيلة أن تستبعد أشياء وتستبقي أشياء منه في عالم لامرئي، حيث الشعر أشبه بدخول في ليل خالص. هذا اللامرئي يقع زمنيًا خارج الكتابة، لكنه يلاحقك في كل ما عشته من قبل، وما تختبره الآن. كثيرًا ما تستيقظ في داخلي صور شعرية، تظل تحوم معي شهرًا، أو أكثر، وربما أشهر، في صمت؛ لا أستجيب لها عادة في البداية، وأنساق معها إلى وجهات لا أعرفها. حال يصبح فيها الشعر تجاوزًا للعالم، أو هكذا يخيل إليه؛ يرفض الانصياع للعلاقات الطبيعية، أو هو يريد أن يلغيها، كروابط، شفويًا وكتابةً، بالكلام، كأن ما يعنيه ابتداء، هو المنفلت. عادة ما تنظر الثقافة الشعرية السائدة إلى الشعر على أنه خروج على لغة التخاطب المألوفة أكثر مما هو خروج، من دون قصد، أو ادعاء، على لغة الشعر السائدة، على متخيل وعادات سيمانتيكية مستهلكة. كأنك أنت من يكتب الشعر أول مرة للإنسانية. كنت قد استمعت مرة إلى كلمة نقلتها الشاعرة ليندا غريغ عن الشاعر جاك غيلبرت في أيامه الأخيرة: الصمت هو ما يمنح القصيدة مادة، مثلما يفعل الموت بالحياة؛ هو الجانب اللامرئي من الشعر، هذا اللامرئي الذي هو على وشك الظهور… كلاهما، اللامرئي والمكان في الشعر، يذهبان يدًا في يد، كقطار ليلي يشق ظلام مدينة تحت نباح كلاب في تكساس. الصمت هو، على نحو ما، فراغ. هو لامرئي، إلى أن يجعل منه الشعر مرئيًا. هنالك صمت عظيم، قائم ضمنيًا، صمت يملأ مجازاتنا، متظاهرًا بشيء وهو يعني شيئًا لامرئيًا آخر.

(*) في العلاقة مع الكلمات، يبدو أنه يصبح لها معنى آخر بالنسبة إليك، فعلى الجهة الأخرى من الأشياء يتغير معناها. هل هذا ما يهبه لنا الشعر؟
هذا التساؤل قد يأخذنا إلى وجهات كثيرة أخرى مرتبطة بالمعارف المعاصرة وتصوراتها الواسعة. لكن ما يعنيني هنا شخصيًا هو هذا الفضاء المتحرك بين الكلمات والأشياء، أو الكلمات والعالم؛ أو دعيني أقلْ مع جوزيف جوبير بأن الكلمات في لغة التخاطب اليومي تذكرنا بالأشياء، ثم، في الشعر، تعود الأشياء لتذكرنا بالكلمات. فضاء يزحزح العلاقة بين الكلمات والعالم، ناهيك عن هذا الأثر الغامض الذي نستشعره دائما تجاه الكلمات. هذا الغموض البدائي الأول الذي يصاحبها في أطوار حياتها في سياق لغوي وثقافي، أو آخر.

فأنت لا تعرف دائمًا ما تعنيه الكلمة، بما أنك تقع خارجها، فتنشأ بينك وبينها علاقة غير بريئة، علاقة أقرب إلى الشعور بعدم الثقة؛ كلاكما لا يملك من البراءة ما يكفي كي يمنح نفسه للآخر. وإذًا، فأنت دائمًا مع الكلمات في حال من المكاشفة، حيث يتوق الوجود، في الشعر والحياة، إلى الكلام، ويتوق الكلام إلى الوجود. كي أظل هنا في سياق عبارة جوبير التي يعززها ابن عربي بكلمته المعروفة: ” لولا الكلام لكنا اليوم في عدم”. ولا أدري كيف استقر في وعيي المبكر أن الكلمة هي محل عبث، أو مجازفة، على الدوام. وهنا محل افتتاني حقًا. إذ لم أكتف بالمعنى المعجمي، أو ما كنت أتعلمه من الآخرين. ومع الوقت تكتشف بأنك لا تعرف سوى كلماتك أنت. من أنها لم تعد، على مدار الأعوام، كما عرفتها من قبل، وأن كل كلمة هي مجاز آخر في حياتك. ولعل هذا ما يجعل الشعر متقشفًا، يستخدم قليلًا من الكلمات، وكثيرًا من الصمت: “أكلّمك بصمت كالغيم والشجر”،  يقول تشسلُو ميلوش (بالنطق البولندي: تشسلوف ميوُوش).

(*) في مجموعتك، هنالك حوار مع شعراء آخرين، منهم شيمبورسكا، روبيرتو خواروث، وبيسوا، وهنالك أيضًا حوار مع نصوص أدبية مهمة، مثل “اسم الوردة”. هل الكتابة هي قراءة أخرى لهذه النصوص، أو كما يقول روبيرتو خواروث: “أن نجعل النص الذي نقرؤه يقرأنا”؟
لا أعرف إن كان حوارًا بهذا المعنى، بقدر ما هو استدراج في ما بين نصوصي وبين هذه الأسماء. فأنت في نصوصك قد تكون، مرة، صوتًا واحدًا، ومرة أصواتًا مختلفة كي تستطيع الكتابة أن تتكلم. ليس في وسعك أن تظل في الشعر “واحدًا” على الدوام. عدا مخاطر الوقوع السهل في غنائية الـ”أنا”، وحالات التباسها بـ”أنا” الآخر، ينبغي التمييز، هنا، بين الأنا الأنطولوجية والأنا الشعرية؛ أعني “أنا” المتخيل الشعري.  فمهما تعددت أصواتك مع نفسك فهي في نهاية المطاف تعود إلى الـ”أنا” النبع. ولعله من السذاجة الإفصاح عنها صراحة. الشاعر، كما يقول رنيه دومال: “لا يستطيع أن يقول “أنا”، إنه “هي” بالوجود والأصالة”، قد يستدعي أصواتًا أخرى؛ شعراء ورموزًا وكائنات ويستدرجها لتتكلم في لغته من وراء ضمائر، أو وجوه أخرى. ما يعطي لصوته المتعدد تنوعًا ودينامية. هنالك صدى قادم من اختباراتك الذاتية في الحياة يتجاوب في داخلك مع هذه الأصوات. فكأنك لا تتبادل معها الكلام وحسب، ولكن الوجود أيضًا. وهو ما تلاحظينه في الرسائل الموجهة إلى بيسوا، أو زوربا، أو في الجلوس إلى جاك غلبرت. لعلك تذكرين هذا الكائن الذي يستقصي في المتخيل تفاصيل من حياته، في قصائد شيمبورسكا، وبالكاد يعثر على هذا “الغريب” الذي هو نفسه ولا يعرفه.



(*) يحضر المكان في شعرك، وهو دائمًا يأخذنا إلى مكان آخر، ربما الشعر يأخذنا دائمًا إلى الجهة الأخرى من أمكنتنا اليومية.
يعود هذا السؤال مرارًا. ربما هذا الإيحاء الشعري الدائم بالمكان الذي نعثر عليه في الجغرافيا والذاكرة والمتخيل بعامة. ثم هذه الصعوبة في الكلام على الشعر في علاقته العميقة بموحيات أخرى. الشعر ذاته، بشكل أو بآخر، بالنسبة إلى الشعراء، مكان يقيمون فيه، كما لو أنّه لا شيء يقع خارج الشعر، حيث يحيا العالم خارج كرونولوجيا الواقع المنظور. كأن المكان لا يذوب مع الوقت؛ يكفي أن نتذكر المكان في قصائد الشعر العربي الكلاسكي كمكان للبكاء، للفقد والانكسار. المكان في ذاته يبدو منطويًا على أسى ما حلّ بالعالم: “شيء ما عالق/ منذ البدء/ في هذا العالم/ ربما ألمٌ/ يتأرجح/ في مكان لا يراه أحد/ حين صرخ كل شيء/ أول مرة/ في هذا الكون/ وتدلى/ في قلوبنا/ كالحب/ كالموت/ والنقصان”. (الجهة الأخرى من الأشياء). لا يكتفي الشعر في كثير من هذه النصوص بالمكان الفزيائي وحده؛ هو بالأحرى يراه في العلاقات المتعددة بين المتخيل والأشياء؛ فأين، مثلًا، وكيف عرف ذلك “الصوت” الشعري شخص بيسوا في الرسالة الموجهة إليه؟ أعتقد أن المكان بهذا المعنى هو الخصوصية القصوى للشعر؛ للمخيلة حق الذهاب حيث تشاء: “أنا الآن مكان في كل مكان آخر…”.

(*) تقول “الضجة هائلة في سمع العالم والشعر ضئيل”. هل مهمة الشاعر أن يستمع لذلك الشعر من حوله؟
هنالك لحظات تأتي من الشعور العدمي الذي ينتاب الإنسان بعامة، شعور لا يقوى عليه، أحيانًا، أو يتجاوزه هذا الإيمان بالشعر، أو الفن، أو الحياة. وكأنه لا ملاذ لنا حقًا مما نحن فيه، من أي شيء للخلاص من أوجاع الوجود والميتافيزيقا، من هذا اللامتناهي الذي لا ينتهي. الشعر لا يحمي العالم من الهشاشة والعطب. لماذا انكسر رجل ذكي ورهيف كالتوحيدي هكذا في مناجاته: “لكني ممنوٌ… مبلو… منحوٌ… ممحوٌ؛ ممنوٌ بنفسي… مبلوٌ بجنسي… منحوٌ بعادتي… ممحو بآفتي”. أو لماذا كتب لي باي Li Bai  (شاعر صيني): “إلى أين أنا ذاهبٌ؟ إنها نهاية عام آخر وأنا أترنم هنا، بكلمات وداع طويل عند بوابة السماء”. في الحقيقة، هذه العبارة جاءت في أثناء حديث حار على الهاتف بيني وبين شاعر عربي صديق يكبرني سنًا وتجربة، وتربطنا محبة خاصة في الشعر. الشعر، بكل أسى، ضئيل في هذا العالم. نكتب لأنفسنا وكأننا ذات أخرى. في “الجهة الأخرى من الأشياء” حضور للموت، للفقد، للحتميات الكبرى: “أنا الآن أعيش حياتي الطويلة/ بعد الموت/ منذ قرنين ماضيين أو ثلاثة/ الحظ وحده جاء بي/ إلى هذه الأرض/ …/ لا فرق/ أن يكون أقرب شيء/ كأبعد نجم/ وما يحدث هنا يحدث هناك/ القرب كالأقاصي/ سيّان”. قبل أشهر، تابعت مقابلة مع شاعر فرنسي أحبه، جود ستيفان، شاعر يقرأه أصدقاؤه، وقلة من الشعراء في فرنسا؛ ربما لم ينتبهوا إليه سوى في أعوامه الأخيرة قبل وفاته في 2020. في عبارة تعيدنا إلى سؤالك، ابتداء: “لا وجود للشعر، إنه خطأ بكليته، مراهنة… مجاملة، العيوب كلها، جميل، لكن ما الذي سنفعل بما هو جميل!؟” بمعزل عما يتوقعه منا كلام كهذا. فإني لا أقارن نفسي بهؤلاء! أنا بالكاد أحاول أن أقول شيئًا، أن أنطق، أو أخرج كلمة…


(*) ربما تختلف كثيرًا مجموعتك الجديدة عن الأولى. ماذا يتطلب الخروج دائمًا إلى لغة جديدة، ومنطقة أخرى؟
قد لا يكفي الجواب السريع هنا، ما دام هذا الخروج حالة قائمة باستمرار. أنت، في لحظة ما، تكتب شكلًا خاصًا لما يُسَمّى “شعرًا”، ما إن تنتهي منه حتى ينتابك شعور بأن النص لم ينته بعد، وأنه يمكن أن يمنحك نفسه في أكثر من شكل آخر. الحضور الدائم لفكرة تعدد الأشكال في النص الواحد يذكي الخوف من الوقوع السهل في شكل من الأشكال. أعني الوقوع في شكل غير ملائم لما كنت ترجوه للكتابة وتتمناه. ثم هنالك هاجس النصوص الأخرى التي قد تخترق نصوصك، أو تقع في جوارها. كيف يمكن أن تخلّص نفسك من المناخ الشعري السائد؛ ألا تستجيب لمؤثرات تأتي من شعراء آخرين تقرأ لهم، أو ممن هم حولك. عادة ما يتأثر الشعراء بما هو سائد في المحيط الشعري، ويتخذون من نصوص معينة نماذج لكتابة تصبو إليها مخيلتهم. وفي هذا خطر الوقوع تحت أسر، أو عبودية، تلك النماذج التي تكرسها الثقافة الشعرية السائدة كنماذج عليا بخاصة. ولك أن تتخيلي هنا لو كان الشاعر لا يقرأ سوى في لغته، وظل يعتقد بأن الشعر في الثقافة التي ينتمي إليها يتجاوز ثقافات شعرية أخرى. محاكاة الآخرين حيثما كانوا أمر متاح وساذج، وإن كنت أرى أن المحاكاة أمر مستحيل بالمعنى الشعري العميق للكتابة، فهي غالبًا محاكاة أشكال. لكن محاكاة الشاعر لنفسه وعبوديته لها طويلًا هو حقًا ما يرعبني؛ أن تتعبد لشكل صنعته لنفسك على مدار أعوام.

ومن ثم كيف لي، ابتداء، أن أتخلص من الآخرين بعامة، ومن نفسي بخاصة؟ ألا أكون حشوًا في عبارة قالها آخر، أو عبارة أحب أن أرددها على الدوام؟ لعل كلمة بول فاليري مهمة في هذا السياق: “يبقى العمل الشعري بقدر ما يظهر مختلفًا كليًا عن الشكل الذي أراده له صاحبه”. لقد كتب ريلكه شعرًا في النصف الأول من حياته أكثر مما كتب في النصف الثاني، حين صار أكثر حذرًا ونقاء تجاه نفسه. لدي حذر كبير من الجملة البلاغية في الشعر العربي المعاصر. الجملة التي تشعرني بأني أكتب من خارج الشعر، وبأني، لأجلها، أنا مجرد صانع ماهر. يهمني أن تتخفف الجملة الشعرية من الادعاء، من نرجسية البلاغة، وتشفّ بكاملها عن عذوبة الشعر الخالص. في هذا يقع الفارق بين المجموعة الأولى والأخيرة.

(*) في ترجمتك لشعراء من العالم، هل تشعر أن ذلك يمنح شعرك ذلك الانفتاح على نصوص متنوعة وكأنك في الجهات الأخرى تكتشف ذاتك أكثر؟
دعيني أكرر ثانية، ودائمًا، بأن ذهابي إلى الترجمة هو أولًا ذهاب إلى الشعر؛ اقتادني الشعر إلى ترجمة شعراء أحببت أن أراهم في العربية. ثم بلا شك هذه العلاقة بالتنوع الشعري الهائل في الثقافات المختلفة. للشعر حياة خاصة في تلك الثقافات، وفي الترجمة ينتقل إلى حياة مغايرة في ثقافة ثانية. لا شك في أن الألمان يقرأون غوته بحس مختلف عن قراءة العرب له. أتخيل هل لو قرأنا شاعرًا أميركيًا في الجزائر كما لو قرأناه في نيويورك، سيظل هو الشاعر نفسه، هل نعثر على العمق الشعري ذاته هنا، أو هناك؟ أعني هل تجعلنا الترجمة لا نخطئ ذلك العمق، ولا ذلك الشاعر؟ ويمكن في هذا السياق أن نتساءل حول كونديرا مثلًا؛ هل يقرأه التشيك كما يقرأه الفرنسيون؟ من جهتي، لا أقرأ الشعراء كأجانب، بالأحرى أقرأهم كشعراء، كمن يقيم معهم في بيت واحد، بعيدًا عن منطق المفاضلة بينهم وبين شعراء العربية.

ولا يعني هذا ألا يكون رينيه شار أقرب إليّ من البحتري في جانب، ويكون التوحيدي أقرب إليّ من شار في جانب آخر؛ الأسماء هنا للتمثيل وحسب. أن أجلس إلى الشاعرة الرومانية نينا كاسيان، هو أن أخرج معها في نزهة شعرية طويلة، من دون أن أفكر في أنها من هذه الثقافة، أو تلك؛ هي بالنسبة إليّ من بلاد الشعر. بهذا أنت تعيش في خصب شعري مع آخرين، قد يضيء لك مساحات واسعة في عالمك الخاص. وتكون الترجمة، بهذا المعنى، قراءة ومشاركة لتجارب شعرية متعددة ومغايرة. وليس لأنك تتوارى خلفها، أو تتخذ منها قناعًا لتجربتك، كما قد يظن البعض. فالأصالة الذاتية، في الشعر، لا تسمح لك أن تتخفى وراء أحد.

(*) سأسألك عن التراث، التراث العربي الشعري القديم، وما أهمية إعادة قراءته في ظل التركيز على الترجمات والانفتاح على النصوص الحديثة والمعاصرة.
للقارئ، بعامة، أن يتساءل كيف نقرأ هذا التراث الشعري اليوم؟ ولا شك في تعدد القراءات الأكاديمية حول مدونة الشعر الكلاسيكي، وكثرتها في اللغة والنقد والأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي، وفي الحقول الأخرى المتصلة بهذا التراث. ناهيك عما كتبه الشعراء أنفسهم في الموضوع بانتقائية واضحة. ما زال هذا التراث يوجه الذائقة الشعرية المدرسية، التي غالبًا ما تكتفي منه بأسماء مرجعية تعود إليها باستمرار. هذا الامتياز المرجعي للذاكرة الشعرية له أثر جمالي خاص في النظر إلى الكتابة الشعرية، وكيف يتمثل الكلاسيكيون الجدد نماذج الشعراء القدامى في نتاجهم. في العادة، أعود إلى الشعر، لا إلى الشعراء؛ إلى نصوص من الشعر الكلاسيكي، لا إلى شاعر محدد، وهذه العودة هي عودة استئناس بالمتخيل الشعري، وبالتجربة التي عرفها الشاعر أكثر منها عودة جمالية لكتابة الشعر. أذكر في سنوات الجامعة كيف كنت أقرأ باهتمام لمحات مصطفى ناصف الذكية في البحث عن رموز التراث في الشعر: “فقلتُ له لما تمطىّ بصلبه/ وأردف أعجازًا وناء بكلكل”، هل كان امرؤ القيس يصف الليل، أم يصف حيوانا يتمطى؟ ما زالت لغة أبي نواس، مثلًا، تجعلني أشعر بأنه معاصر لنا، وبأن جزءًا من شعره، رغم مرور الوقت، يحتفظ بتجاوب عظيم وحيّ مع المتخيل الشعري اليوم. وفي تراث المتأخرين أيضًا، أقع على نصوص لشعراء تهتز لها مخيلتي، بما فيها من احتفاء خاص بحياة الأشياء. ولكن الشعر لا يتأثر بالشعر وحده

ضفة ثالثة