د. عبدالله الغذامي يكتب: أفلاطون والتفكير السردي

غذامي

يعمد أفلاطون لتوظيف السرد كي يتوسل بالسردية لتوصيل أفكاره، ففي حكاية كهف أفلاطون ابتكر سردية الكهف ليصف حال الفيلسوف بين الناس فرسم صورة لأناس محبوسين في كهف لا تدخله الشمس وهم مقيدون بقيود وثيقة تجعلهم ممدين على بطونهم ووجوههم باتجاه جدار كبير، وفي خارج الكهف عمالٌ يحملون أحمالاً على رؤوسهم ويتحركون جيئةً وذهاباً مروراً بمدخل الكهف مما يجعل صورهم تنعكس على الجدار الداخلي للكهف الذي تتجه له وجوه المساجين، فيرون أشباحاً تتحرك وكأنها في لغة عصرنا شاشةٌ صامتة تعرض صوراً شبحية متحركة.
وهذا كل ما يعرفونه ولا تستقبل أذهانهم غير هذه الأشباح المتحركة دون أن يعوا أي شيء عن الخارج ولا ما الذي يحركها حيث تظهر صور الأحمال التي فوق رؤوس العمال دون أجسادهم، لكن واحداً من هؤلاء المساجين استطاع التخلص من قيوده وخرج للشمس والهواء فرأى العالم خارج الكهف واكتشف سر الأشباح المتحركة وعرف حال الحياة الخارجية، فقرر أن يعود لرفاقه ويشرح لهم ما توصل له من خبرة مختلفة عن خبرتهم، ولكنهم سخروا منه وكذبوه وتجاهلوا قوله، وعبر هذه السردية يصف أفلاطون حال الفيلسوف بين الناس، حيث يرى مالاً يرون، وإذا كشف لهم ما يجهلون سخروا منه. وهي ترجمة سردية لقصة سقراط مع مجتمع أثينا حينذاك.

وكذلك استعان أفلاطون بأسطورة جيجيس الراعي الذي وقع أيضاً في كهف مع رفاقه الرعاة، حيث ثارت عواصف تصدعت الأرض منها بسبب زلزال شديد نسف الأرض من حولهم فلجؤوا للكهف، وفي الكهف عثر جيجيس الراعي البريء على خاتم وراح يلعب به بين أصابعه، فلاحظ أنه إذا وضع الخاتم على باطنه أخذ صحبهم يتحدثون عنه في صيغة الغائب مع أنه بينهم، فعرف أن للخاتم وضعيتين إحداهما تخفي لابس الخاتم عن العيون، وهنا تحول الراعي الطيب من شخص بريء إلى شخص متربص للفرص وراح يحقق نواياه الشريرة في الخداع والاستيلاء، وهنا يقيس أفلاطون حال الإنسان العادل وحال الإنسان الظالم وافترض أن كلا منهما عثر على خاتم له خاصية الإخفاء ماذا يعمل كل واحد منهما، وجواب أفلاطون هو أنهما معاً سيتحولان إلى جيجيس آخر وستتكشف النوايا الشريرة عند العادل كما عند الظالم، وسيفعل كل منهما فعل جيجيس الراعي الطيب الذي حوله الخاتم لشرير، وهذا تفسير يعود لنظرية أفلاطون في العدالة التي يراها للقوي كي يمارس عدالته لمصلحة الأقوياء، ولكن ضد الضعفاء، والعدالة عنده ليست من صلب رغبات الإنسان، وهو ظالم ومفترس في طبعه متى تمكن من ذلك بفارق واحد هو أن الظالم لا يبالي في انكشاف ظلمه، بينما العادل سيظل يتظاهر بالعدل فإذا جاءته فرصة تخفى وراءها ليمارس مظالمه وسيكون جيجيس الآخر، وهي نظرية تشاؤمية وعدمية لا يتردد أفلاطون عن الجهر بها بمثل ما جهر بالقول: إن الحرية للأقوى، وإن المساواة شر مؤكد لأنها تساوي بين العبد والسيد. وقد توسعت في هذا ومأزق مفهوم العدالة والحرية والمساواة في كتابي «مآلات الفلسفة».

جريدة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •