كارثة اسمها زمّور – بقلم إنعام كجه جي

إنعام-كجه-جي

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يعلن الصحافي الفرنسي إريك زمور ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة. وهو ما زال يلعب مع جمهوره العريض لعبة السيدة فيروز: «تعا ولا تيجي». وليس المقصود بالجمهور العريض أنصاره المقدرة نسبتهم بـ11 في المائة من الناخبين، بل يشمل خصومه، وهم أكثر بكثير من مؤيديه.
لزم 3.8 مليون فرنسي بيوتهم، مساء الخميس الماضي، لمتابعة المناظرة التلفزيونية بين زمور والمرشح اليساري جان لوك ميلونشون، زعيم حزب فرنسا الأبية. رقم يقترب من متابعي نهائيات كأس أوروبا لكرة القدم. إنها المرة الأولى التي تجري فيها مناظرة «رئاسية» بين مرشح معلن ومواطن بدون صفة سياسية، لم يرشح نفسه وقد لا يرشحها. وكم كان ميلونشون ساذجاً حين طلب من خصمه أن يتحاشى تحويل المناظرة إلى صراع ديكة. ذلك أن المشاهدين كانوا يريدون أصواتاً تلعلع وسباباً وفضائح. فالمتناظران بارعان في الكلام، سريعا البديهة، طويلا اللسان. شعارهما: لا حياء في السياسة.
لزمور سبع صنائع. صحافي وروائي وناقد وباحث ومقدم برامج إذاعية وتلفزيونية وصاحب وكالة لتوزيع التحقيقات والأفلام. لكن صفته الأولى في الموسوعة الإلكترونية هي «مجادل». أما مادة الجدل المفضلة لديه فهي المهاجرون العرب والأفارقة. إنه لا يخفي ضيقه بهم، ولا يواري رعبه من الإسلام، ومن تزايد المسلمين في فرنسا، بشكل عام، وليس المتطرف منهم فحسب. وبسبب تصريحاته سيق أمام القضاء بتهمة بث الكراهية. وقد طردته يومية «الفيغارو» من طاقم محرريها بعد إدانته في واحدة من تلك القضايا. لكنه خرج من باب الصحيفة اليمينية وعاد من الشباك.
ظهرت على جدران المدن الفرنسية ملصقات تحمل صورة «الرئيس زمور» رغم أنه ليس مرشحاً رسمياً بعد. ولو فقدت فرنسا رشدها وانتخبته، فإن برنامجه سيجعل منها دولة مذعورة منعزلة بعد أن كانت بلد الحرية والأخوة والمساواة. سيغلق زمور باب الهجرة بالقفل الغليظ، ويطرد مئات الآلاف من اللاجئين، ويلغي مبدأ لم شمل العائلات، ويوقف مساعدات الدولة لغير المتجنسين. وبلغ من سخفه أنه ينوي منع إطلاق اسم «محمد» أو غيره من الأسماء العربية على المواليد في فرنسا. إن الفرنسي، في عرف زمور، هو من يحمل اسماً فرنسياً ويتماهى مع ثقافة الأمة المسيحية.
يسخر خصومه منه لأن ما يكرهه ينطبق عليه. إنه يحمل اللقب العربي زمور. وليس مسيحياً بل ينتمي لأسرة يهودية مهاجرة من الجزائر. عدا عن أنه لا يمتلك المواصفات الشكلية التي باتت مطلوبة لمن يريد اجتذاب الجماهير. موهبته صفاقته. وهي صفاقة تجعل من مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرف، قطة أنيسة. كانت العنصرية سبة وهي لديه وسام. وهو يبشر بأن المهاجرين يعملون وفق مخطط لأسلمة فرنسا. يجاهر بأن معظم نزلاء السجون هم من المسلمين وأن انحرافاتهم ليست خروجاً على القانون بل هي جهاد. قال في مناظرته الأخيرة إن فرنسا مقبلة على حرب أهلية، مثل لبنان، حيث يجري بالتدريج استبدال شعب آخر بشعبها. ومع حلول 2050 سيجد الفرنسيون أنفسهم غرباء في بلدهم. وهي نظرية يكذبها علماء الاجتماع، لأن الأجيال الطالعة من أبناء المهاجرين تندمج في محيطها وفي الفضاء المعولم. كما أن فرنسا هي خلاصة تاريخها الاستعماري.
لا بد من الإقرار بأن بين الفرنسيين من يفكر على شاكلته. وقد بيع من كتابه الأخير 700 ألف نسخة في أقل من شهر. فما الذي يخدمه وأمثاله؟ حوادث الإرهاب والتحريض الخارجي والقنوات التي تبث الجهل والتطرف. وسواء ترشح للرئاسة أو لم يترشح فإن إريك زمور كارثة.

جريدة الشرق الأوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •