حفنة التراب وحفنة التبر – بقلم ناصر الظاهري

ناصر-الظاهري

فرحت حين رأيت تلك الممثلة الأميركية الجميلة والعزيزة على النفس، والتي أحبها بصدق منذ زمان «جوليان مور» ذات الخمس جوائز أوسكار في حياتها المهنية كممثلة استثنائية، وهي تعبر السجادة الحمراء لمهرجان «تورونتو» السينمائي الدولي، والذي افتتح رسمياً وعلنياً بعد غياب عامين، واختيار فيلمها الجديد «دير ايفان هانسن» فيلم الافتتاح، لِمَ بعض الوجوه تفرح لحضورها، وتفرح أنها ما زالت بصحة، وتسعد أنها بعيدة عن كل أذى، وتذكرت من أفلامها الجميلة التي أُنتجت قبل سنوات، وبقيت عالقة في الرأس أو بقيت أسئلتها المشاغبة تطرق الذاكرة، وهو فيلم «ما تزال أليس»، والذي لعبت فيه دور معلمة جامعية تصيبها فجأة أعراض التدهور الإدراكي أو الزهايمر، والذي نالت عليه جائزة الأوسكار لصدق وروعة أدائها.
يومها ارتبط الفيلم عندي بأسئلة كامنة في النفس، وبحادثة غريبة، ولعلها من باب الصدفة، لنقل، ولا أدري لم تحدث أحياناً مثل تلك الأمور؟ وفي أوقات بعينها تجعل من طرح الأسئلة أمراً ملحاً على النفس، يومها بعد الفيلم رأيت رجلاً أوروبياً سبعينياً تائهاً بين تقاطعات الشوارع، يبحث عن عنوان فندقه، وفي يده بطاقة الفندق، وبطاقة الغرفة، فأيقنت أنه ربما ضيّع الاتجاهات، ففي صغرنا، كنا نسمع كثيراً أن بعض الشواب إذا ما غابت ظلة الجدار التي يمشي بمحاذاتها، غيّب اتجاهه، ولا عرف يصل بيته أو إن كان كثير النسيان، نعت بالخرف، وإن ظل يجتر شيئاً رغم أنه أدرد، بلا أسنان، قلنا: «الشيبة يلوك لبان الملائكة»، دليل الهرم، و«هناك عجائز كنا إذا ما أصبحن الصبح، طلبن من أولادهن أن يقبلوا بهن صوب القبلة، لكي تموت وهي تشاهد القبلة».

وقفت مع الرجل محاولاً تبسيط الطرق لفندقه، وحددت له الاتجاه، وسألته إن كان يقدر على المشي، فقال أفضّله، لكنني خفت عليه الضياع، وتحركت قصة الفيلم في رأسي، فطلبت منه أن أوصله، لكنه رفض، فوضعته على السكة الصحيحة، والسير باتجاه واحد، ورغم ذلك بقي ساكناً في رأسي، وأسئلته الكثيرة تحاصرني.
لم بعض هذه الأمراض لم نسمع عنها من قبل؟ وكأنها وليدة عصرنا أو أنها لم تتطور لتأخذ منحى الظاهرة إلا في وقت حضارتنا، اليوم هناك أكثر من أربعة وأربعين مليون مصاب بالزهايمر الذي يعد المرض الأكثر تكلفة في العالم، حيث تبلغ قيمة علاج مرضاه أكثر من 600 مليار دولار، لذا تم تخصيص يوم 21 سبتمبر من كل عام للاحتفاء به عالمياً، وتذكير الناس بسبل الوقاية منه، ورعاية المحتاجين الذين أدركهم في أعمارهم المختلفة، الزهايمر ليس مسألة خرف، ونسيان، إنه تدهور الإدراك، وضياع الزمان والمكان، وعطب الذاكرة كلها التي ظل الإنسان يبنيها بالمعارف والعلوم والأسفار والخبرات، وفجأة يجد نفسه لا يستطيع، ولا يعرف كيف يربط خيط حذائه، أو لا يمكنه أن يتعرف على وجه ابنته التي كبرت في حضنه، وبين عينيه، ولا يعرف أين، وكيف يقضي حاجته، يضيع الكلام، ويأتي الاكتئاب، ويعيش الإنسان في وحدة لا يعرفها، الزهايمر اشتق من اسم العالم الألماني (Aloysius Alzheimer) الذي اكتشفه عام 1906م، الغريب أن من مسبباته وجود نسبة عالية من الذهب في البول والدم، وأنت المحروم من الذهب في اليد طوال حياتك، لتجده آخر حياتك يهرق ببلاش، ويسبب لك الفزع والخرف، ويجعلك لا تفرّق بين حفنة التراب وحفنة التبر!

جريدة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •