ذهب مع الريح – بقلم عدلي صادق

ذهب مع الريح – بقلم عدلي صادق

البنت الجميلة لا تطمح إلى راكب ميكروباص مثلها. ربما يكون الشاب، في حال التأجج العاطفي، قد نسي أنه محض زبون لعربة الحَشْر، بينما البنت تطمح إلى انطلاق.

لا زال الميكروباص هو وسيلة المواصلات الأكثر رواجاً في المدن المزدحمة. ولأن العربات في حركة المرور تتداخل عشوائياً في المسافات الفاصلة بين كل إشارة ضوئية وأخرى؛ فإن الميكروباص، أصبح مُسبب القلق والحَذر لسائقي العربات الأخرى. هو يقف في أي موضع لكي يستوعب راكباً أو لإنزال راكب، فيعطل انسياب الحركة. وفي مفاصل معينة، ينتظره راكبون كُثر، المتعجل منهم يحشر نفسه بلا مقعد، والمتمهل ينتظر عربة أخرى يتاح له فيها أن يجلس. والأمر في المحصلة يتعلق بثمن الذهاب إلى العمل أو العودة منه. فما يُتاح بثمن زهيد للوصول إلى الوجهة المقصودة، ليس له أي بديل سوى عربات التاكسي، التي سيكون ثمن الانتقال بها عشرة أضعاف. وهذا ما لا يستطيع العامل دفعه، لأنه سيلتهم أجره.

في عربة الميكروباص، يكون اختلاط الجنسين جبرياً. فلو حل الشاب المتطلع إلى الزواج، زائراً لبيت أسرة يطمح إلى الاقتران بابنة لها؛ ربما يصعب أن تخرج البنت إلى الصالة لتقديم القهوة والسلام على الضيف، جرياً على عادة الفصل بين الجنسين. لكن البنت نفسها، عند خروجها إلى العمل أو إلى الجامعة، قد تجد الشاب نفسه جالساً ملاصقاً لها في الميكروباص. وربما كان التجالس المتكرر أسبق من الزيارة ومنشئ سببها. فللعربة تقاليدها، وللبيوت تقاليد أخرى. ومثلما تفرض البحبوحة المادية في طبيعتها الأرستقراطية، أسباب وفرص الاختلاط، فإن الفقر يفعل الشيء نفسه لأسباب مغايرة. وهذا الذي جعل علم الاجتماع يؤكد على أن الطبقة الوسطى هي حاملة التقاليد بصرامة. فكلما اتسعت ترسخت طبائع المجتمع، وإن ضيّقت الرأسمالية المتوحشة الطبقة الوسطى، ستطيح الجبريات الكثيرة ببعض المحاذير الاجتماعية. لكن هذه الجبريات، لها منافعها، إذ لطالما كان الحشر في الميكروباص سبباً لوقوع النصيب، بدءاً بالتعارف ثم التواصل وانتهاءً بالزواج.

في مواقف انتظار العربة، تلتزم البنت الجميلة أدبها الأسري، فيما هي مضطرة إلى وسيلة المواصلات الحشرية زهيدة الثمن. ويرتجل الشاب الراغب في الاقتراب منها، أي كلام لفتح محادثة. ربما يذهب إلى المبالغة في وصف قدراته الكبيرة على مواجهة أعباء الحياة، ترغيباً للفتاة بطريقة غير مباشرة. فهو ميسور الحال والمسكن جاهز والأم طيبة. غير أن عنصر الجمال يفرض استحقاقه. فالجميلة لا تطمح إلى راكب ميكروباص مثلها. ربما يكون الشاب، في حال التأجج العاطفي، قد نسي أنه محض زبون لعربة الحَشْر، بينما البنت تطمح إلى انطلاق، لذا فإن كلام الأول مع الثانية يكون قد ذهب مع الريح، وتكون البنت قد تعرفت على صيغة من صيغ التودد، أو وضعت الشاب أمام اختبار لمروءته، فيساعدها على حمل كيس بطاطس ابتاعته من بائع خضار متجول!

صحيفة العرب

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu