فنان فرنسي يحول سجنا تاريخيا إلى فضاء جماليّ

فنان فرنسي يحول سجنا تاريخيا إلى فضاء جماليّ

قصر “الكونيسرجيري” بالعاصمة الفرنسية يستضيف عملا فنيا ضخما لستيفان تيدة بعنوان “تحوير”، يقوم فيه بتغيير جزء من مجرى مياه نهر السين.

يسعى النشاط البشري المرتبط بالعمران، إلى تعديل وإعادة تشكيل الطبيعة، بما يتناسب مع الخصائص الثقافية والأداتيّة للبناء، التي ترى في المظاهر الطبيعيّة وجودا صرفا، يعادي البشريّ في بعض الأحيان لكونه لا يلبي احتياجات تمدّنه، فالعمارة، تحاول خلق نوع من الاستقرار، وتأمين ظروف الحياة المناسبة للمواطنين الخاضعين للسيادة، التي تتبنى سياسات التخريب وتسميم الطبيعة، كونها غير صالحة للحياة المدنيّة، فالجهود السلطوية تعكس العناصر الثقافيّة للهيمنة البشريّة، ما يجعل الشكل المعماري، موقفا من الطبيعة من جهة، ومن “البشر” الذين يصنفون بحسب الأماكن التي يشغلونها من جهة أخرى.

اشتهر قصر “الكونيسرجيري” في العاصمة لفرنسيّة باريس، بكونه مقرا للملك في العصور الوسطى بين القرنين العاشر والرابع عشر، وبعدها خلال الثورة الفرنسية، تحوّل إلى سجن يحوي المعتقلين الذين سيتم إعدامهم لاحقا بالمقصلة، كماري أنطوانيت، ملكة فرنسا التي سجنت في القصر لفترة قصيرة، قبل أن يطيح الشعب برأسها.

القصر الواقع في منتصف باريس على “جزيرة المدينة”، يتبع حاليا للمؤسسة القضائية الفرنسية، حيث تستخدم قاعاته للمحاكمات المختلفة، وفي محاولة لإعادة كتابة تاريخ المكان، وبالتعاون مع مركز الصروح الوطنيّة الفرنسيّة، يستضيف القصر عمل تجهيز ضخما للفنان ستيفان تيدة، بعنوان “تحوير”، والذي يقوم فيه بتغيير جزء من مجرى مياه نهر السين، باستخدام مجموعة من القنوات والعَنَفات، جاعلا المياه تدخل القصر، وتجري ضمن قاعاته المختلفة، في دلالة رمزيّة على أن تدفق مياه السين، قادر على تفكيك فضاء السجن، وبث الحياة فيه، بحيث يصبح النهر جزءا عضويا من تكوين المكان السياديّ، لا مجرد كيان معزول عنه.

يحاول تيدة استعادة الطوفان الذي حصل عام 1910، والذي اجتاحت إثره مياه النهر القصر، وتركت آثارا على أعمدته القوطيّة في الداخل، ولإعادة ذلك، قام باستخدام مضخة على عمق ثلاثة أمتار في النهر، تجرّ المياه نحو الأعلى، ما يجعل النهر، يجتاز غُرف وقاعات القصر المختلفة، عبر قنوات مياه يصل ارتفاع بعضها إلى ثمانية أمتار، وطولها حوالي الـ200 متر، قبل أن تصب في مسار النهر الأصلي خارج القصر.

لطالما اقتحم النهر صالات السجن والعقاب في القصر، وتجهيز تيدة هذا أقرب إلى دعوة موجهة للنهر، كي يدخل بلطف، ليكسر من رهبة المكان، وتاريخه السلطويّ، خالقا تشكيلات ضوئيّة وإيقاعات صوتية، تجعل منه أشبه بطيف خفيف، يتسلل رقيقا بين الأعمدة والزوار، حرا من القيود البشرية الموضوعة عليه، والتي تتحكم بمساره اليوميّ.

كان القصر قديما معقلا للقوة والسلطة في فرنسا، ومازال حتى الآن يمتلك ذات الهالة الرمزيّة لكونه رمزا للسلطة القضائيّة، وما يكسبه قوته هذه، هو عدم حركته، وتكوينه المنيع على الاختراق دون بروتوكولات بشريّة محددة، ليأتي عمل التجهيز هذا، كوسيلة لخلق ممر فني لنقيضه، للنهر الذي يكتسب حضوره من حركته الدائمة، إذ لم يعد مجرد سور، أو زينة، بل صار كيانا فاعلا في القصر، هذا التناقض، يصفه تيدة بالحوار بين كيانين مختلفين كليا، ومحاولة لجعل نهر السين ذا دور أكبر في مدينة باريس، لخلق نوع من المواجهة بين الداخل المعزول المتمثل بالقصر، والخارج الحر المتحرك والمتمثل بمياه النهر.

الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يعيد فيها تيدة تكوين الفضاءات العامة المرتبطة بتاريخ فرنسا، إذ أنهى عام 2016 تجهيزا باسم “نوم”، وذلك أثناء الليالي البيضاء، حيث قام بصناعة غابة ثلجية في ساحة بلدية باريس الرئيسيّة، كما قام أيضا، بنحت عمل ثلجي ضخم في حديقة قصر فيرساي، باسم “ضجة بيضاء”، وفيه نشاهد آلات موسيقية مختلفة ومحطمة، تذوب تدريجيا في الحديقة، ويمكن لمن ينصت بحذر، أن يسمع الصوت الناتج عن ذوبانها.

صحيفة العرب