أتاجرُ في بُذُور القمرِ – بقلم أحمد الشهاوي

أتاجرُ في بُذُور القمرِ – بقلم أحمد الشهاوي

فشلتُ في أشياء كثيرةٍ خلال حياتى، «ولن أستخدم مُفردة أخفقتُ للتخفيفِ عن نفسى من وقع مُفردة الفشل»، لكنَّنى لم أرنى أبدًا فاشلًا في شىءٍ كنتُ أعيدُ المرَّةَ ألفًا وأنجحُ، وأحاولُ ثانيةً وأنجحُ، سُقتُ غمامًا، وسفَفْتُ تُرابًا، وخُضتُ معاركَ، ولمَّا قررتُ ألا أنشرَ كتبى سوى عند ناشرٍ خاصٍّ واحدٍ نجحتِ المحاولةُ، وصارتِ الدارُ المصريةُ اللبنانيةُ في القاهرة بيتى وسكنَ كتاباتى، ولما قررتُ ألا أقولَ شعرًا أو أشاركَ في أي مُناسبةٍ تقيمُها أىُّ جهةٍ تتبعُ وزارةُ الثقافة المصرية، أصررتُ ومازلتُ مُصرًّا على أنَّنى صائبٌ، ولمَّا قاطعتُ بَشرًا «هم في الحقيقة ليسوا بشرًا، ولم ينجح واحدٌ منهم كشاعرٍ أو ككاتبٍ»، أصررتُ على أن تكونَ القطيعةُ أبديةً، لأنَّ البُعدَ عن السَّبّابِ الشتَّامِ فريضةٌ، وليس- فقط كما نقول عادة- غنيمة.

أصررتُ على أن تكونَ رُوحى ونصِّى في حُريةٍ من القوالبِ، كان هدفى أن أنقذَ ذاكرتى من النسيانِ والخطفِ.

ليس عندى ذهبٌ ليُسْرَقَ أو أُقتلَ من أجلهِ، ولكنَّ قلبى «يتاجرُ» في الذهبِ إذْ يبيعُه مجانًا، وأنا هنا لا أمتدحُ هذا القلب، الذي كم دُسْتهُ كثيرًا، لأن عجينتَه مختلفةٌ، وهذا الاختلاف جعلنى أفعلُ أشياءً ندمتُ عليها فيما بعد الفعل، لكن سُرعانَ ما أعودُ عن ندمى وأقولُ: هكذا خُلقتَ يا أحمد، ولن تُغيِّرَ من طبيعتكَ، ولو أردتَ وألححتَ في المحاولةِ.

عشْتُ ولم أكن يومًا عبدًا لشىءٍ، دومًا قاسٍ في الإقلاعِ والخُروج والقطْع متى أردتُ، ودومًا يُنقذنى نهرُ الذهب الذي لا سواحلَ له، ولا أعرفُ له طُولا، حتى إننى أظنُّ أنه يُطاولُ نهر النيل، الذي يبتعدُ عن بيتنا في القرية بضعة أمتارٍ، وكنتُ أغسلُ أرجاسَ مُخيلتى في مائِه، وحمدتُ الله أنه فشل في غسيلها.

لم أكُن يومًا سجينًا لعادةٍ، أو أسيرًا لشخصٍ، أو وظيفةٍ، أنقذنى استغنائى الذي به اغتنيتُ، حتى ولعى بالأنتيك والتراثِ القديم والنوادرِ والكُتبِ واللوحات والعُملاتِ، لم يصل إلى حدِّ الهوسِ، لكنَّ علاقتى بإرثى خلقَتْ لى توازنى في الحياةِ، ومنحتنى ميزة الاتصال بأسلافى، ومُجاورتهم ومُحاورتهم ونقدهم أيضًا.

حتى السنوات التي زنَّ فيها الموتُ على عُشِّى ليخربَه، نجحتُ في إقناعِهِ أن يكونَ صديقًا لى، وأن يتركَنى لبعض الوقتِ، لأقرأ أكثرَ مما أكتبُ كما هي عادتى، إذْ لاتزالُ هُناك كتبٌ مُهمةٌ لم تُقرأ، وقلتُ له: ألم يكْفِكَ أنكَ حصدتَ خمسةً من أسرتى كانوا بين العشرينيات والأربعينيات من أعمارهم «أمِّى وأبى وشقيقتى سعاد وزينب وشقيقى أيمن»، فخجِلَ ووعدنى أن يؤجِّلَ، فقلتُ له: ولو قليلا، فأنا لا أُحبُّ الحياةَ إلا لشيئينِ: القراءة والكتابة، والعشق، وكلاهما يسبقُ الآخر ويتقدمُه، وليس بينهما أولٌ ولا ثانٍ.

حلمتُ طوال عُمرى أن أتاجرَ في بُذُور القمرِ، لا أبتغى ربحًا، وكذا أنا لا أحبُّ الخُسران، فقط أوزِّعها مجانًا، ليزرعها الناسُ أينما كانوا، من لهُ دينٌ أو من يعبدُ شمسًا أو فرْجًا، أو يُقدِّس بقرةً أو قِطًّا، أو يعبدُ قوسَ قُزح أو نهرًا من الألوان.

هذه التجارةُ التي لم أمارسها، وإن كنتُ قد حاولتُ زراعةَ النُّور في أراضٍ كثيرةٍ، جعلتنى أصيرُ حارسًا على اسمى ورسمى، وأن أعيشَ العِشقَ الذي حلمتُ به وأنا طفلٌ صغيرٌ يوم أخذتنى جارتنا الشابة لأفتح لها صُندوق كنوزها، وأنا لم أكُن أميزُ بعد بين ماسٍ أو ذهبٍ أو ياقوتٍ أو عنبرٍ…، أو بين قبابٍ وأهلةٍ، فقط كنتُ طفلًا حالمًا، ذهبَ ليستعيرَ مَنْخُلا، لينخلَ به ما ترسَّبَ في بوْتقةِ نارِ زمنِهِ.

المصرية اليوم

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu