هل يعود فينيق الشعر ؟

هل يعود فينيق الشعر ؟

يدرك القارئ من المطارحات التي تنشر في وسائل الإعلام ذلك الخوف من أفول نجم الشعر في العصر الحديث، وبالأخص حين يرى أن معظم الذين انخرطوا في الجدال يميلون إلى أن الشعر يذبل، أو قل يحتضر، أو يتلاشى مع تطور الحياة الحديثة، التي تلتهم كل ما هو جميل وناعم، فلا يبقى سوى الحياة الآلية التي تجعل الإنسان ملحقاً بها، حتى أنه يضطر أحياناً، أو في معظم الأحيان، إلى القيام بأكثر من عمل ووظيفة لتأمين مستلزمات حياة لائقة بهذا الكائن التعيس. ولم تثبت نظرية «المستقبليين» الإيطاليين والروس في أن التطور التكنولوجي سوف يتيح من الفراغ ما يضمن للشعر ازدهاره وارتقاءه. والشعر الذي قدمه «المستقبليون» يكاد يكون مضحكاً، فهذا يتصوّر نفسه على ما يشبه «بساط الريح» وذاك يأمر العبيد الآليين فيلبون طلبه، بينما هو يتغزل بحبيبته، وقد تفرق هذا الفريق بسرعة، وهرع ماياكوفسكي إلى الشيوعية ليقع في اليأس الكامل وينتحر. وحتى الذين يتفاءلون بمستقبل الشعر، نراهم ينظرون إلى الماضي الشعري ويرونه أوسع وأعمق وأشيع من الشعر الحالي، الذي لا يكاد يأبه به أحد. والملاحظ أن الشعر غاب، أو كاد أن يغيب غياباً كاملاً، عن الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية والشهرية والدورية. كل ما يكتب يتناول الشعر بالدراسة والنقد، ولكننا لا نجد شعراً، إلا في القليل النادر.

الاستنجاد بالفلسفة
يلجأ بعض النقاد والدارسين إلى الفلسفة لتأييد الرأي المتفائل بالشعر، ويختارون الفلاسفة المتفائلين بالشعر، أمثال كانط وكونت وشوبنهور وبنديتو كروتشه، مع أن الوقوف على رأي هؤلاء وسواهم لا يقود إلى الموقف المتفائل، أو الموقف الواثق، وإنما هي تخمينات ترد في بعض الأحيان في سياق الموضوعات العامة. فـ«كروتشه» يرى أن الشعر والفنون على وجه العموم تنبع من «الإلهام» ولا علاقة لها بأي شيء آخر، ولكنه لم يفسر لنا لماذا تقلصت جمهورية هذا الإلهام في العصر الحالي، فعدد الشعراء في كل أقطار المسكونة في تضاؤل مستمر، مع أن السكان في تزايد. وشوبنهور يرى أن خلاص الإنسان لا يكون إلا بالفن والشعر والموسيقا، ولكنه لم يشرح لنا لماذا يلهث المرء في هذه الأيام لتحصيل القيم المادية، ويهمل طريق الخلاص الفني أو الشعري الذي حدثنا عنه. يقول إن العالم إرادة. صحيح، ولكن لماذا يصاغ العالم بالتكنولوجيا وليس بالـ«فنّولوجيا»؟ أو «الشعرولوجيا»؟ ولماذا استولى التكنولوجيون على صياغة العالم، حتى في الفن؟ إن الفنون الصنعية اليوم هي السائدة، فنرى آلاف الفنون الدعائية للبضائع، وبالكاد نرى من بينها فناً راقياً واحداً.
وإذا كان كروتشه وبرغسون وشارل لالو وسواهم من الذين يميلون إلى الحدس والإلهام في الفن تفاءلوا بمصير الشعر، فإن التطوريين، سواء في التطور المادي أو المعنوي من أمثال هيغل وهربرت سبنسر لا يرون هذا الرأي. فسبنسر يرى أن الفن سوف يتطور مع تطور الحياة المادية. صحيح. ولكن ما أدراه أن الفن الشعري، بما هو عليه، وحتى عندما يجاري التطور في التعقيد الذي يتنبأ به سبنسر، قادر أن يقف أمام السيل الجارف للتطوّر المادي؟

نهاية التاريخ ونهاية الشعر
كان هيغل الأكثر صراحة من جميع الفلاسفة، ففي رأيه أن الشعر سينكمش مع مرور الزمن، والسبب في ذلك أن العقل المطلق، أي قوانين العقل المثالية، تظل تعمل حتى تتطابق مع الواقع، وفي هذه المرحلة ينتهي التاريخ، وتنتهي كل ضلالات العقل البشري، ويصل إلى الانسجام مع العقل المطلق. ومع انتهاء التاريخ يسود الفن النثري، ولا يعود للشعر ضرورة، فما كان يعبر عنه الشعر هو التباين بين العقل المطلق والواقع، أما الآن فلم يعد هذا التباين قائماً. العصر الرمزي عنده هو عصر الفن القديم والشعر الغزير، والعصر الكلاسيكي هو عصر الفن المتقن الذي تخلص من الرمز، أما العصر الرومانتيكي فهو عصر الشعر «المسيحي» الذي يمثل آخر مراحل الشعر، لأن النثر سيحل محله، ويعبر عن المواقف الإنسانية تعبيراً أدق وأكثر بروزاً من الرموز والإشارات القديمة. لكن للأسف لا نجد في هذا العصر الأخير، الذي قال إنه حلّ في البشرية وتمثله الدولة البروسية، أي أثر للشعر «المسيحي» ولا حتى الإشارة إليه. يبدو أن الشعر كان أول فرائس العصر الذي أعلنه هيغل. ويذهب هيغل إلى أن الحياة عندما تتطابق مع العقل المطلق لا تحتاج إلى الشعر للتعبير عن مواقفها، بل إنها تعمد إلى النثر، الذي يناسب منطق العقل أكثر من الشعر بكثير، وربما كان هذا سبباً أولياً في موت الشعر أو انسحابه من الحياة التي صارت هي بذاتها نثرية، أي تقترب أو تتطابق مع العقل المطلق. وتأتي وسائل الإعلام الحديثة لتدعم وجهة نظر هذا الفيلسوف، فلا توجد وسيلة إعلام واحدة تعتمد الشعر المعهود، بل نجدها كلها تعتمد النثر، الذي في بعض منه يضاهي الشعر القديم، وإن لم يكن يسير على نهجه. وربما انفردت الملامح الشعرية في النثر الحديث لتدعي أنها هي نفسها «الشعر الحديث»!

جينات ومنشطات
لو رحنا نستعرض الفلاسفة والمفكرين حول مستقبل الشعر، أو الفن، لما انتهينا من عرض أفكارهم. فمنهم من يتفاءل جداً، ومنهم من يؤكد زوال الشعر، ومنهم من لم يحسم الموقف، بل يجعله مشروطاً بالظروف المستقبلية. ولكن لندع كل هذا ونبحث في أصل الشعر ثم نرصد احتمالات مصيره.
في الكائن الحيّ، وبعضهم يجعل ذلك في أصغر الذرات، كما أكد ذلك فريجتوف كابرا، جينات تختص بالمخيلة الأدبية. يختلف نشاطها من فرد إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر. فعندما تتهيأ الظروف الملائمة تنشط والعكس صحيح. ففي القديم نشطت هذه الجينات لارتباطها بالتقاليد المحيطة، ففي مرحلة الصيد كان الشعر نوعاً من السحر يغنى ويجري الرقص على إيقاعاته قبل الخروج إلى الصيد. عندما تتكرر هذه التقاليد تزداد جينات الخيال الأدبي قوة واقتداراً ويصبح النظم الشعري الموقّع سهلاً، بحيث عندما يأتي دور الفرد، لا بد أن يكون قد جاء ببيت أو مقطع على الإيقاع المطلوب، ويخدم فيه هدف الصيد، معتقداً أنه يقوم بعملية سحرية، تضمن الصيد الوفير.
وفي العصر الزراعي كانوا يعتقدون أن في الشعر سحراً يدفع الأرض إلى الإخصاب، فإذا لم يحدث هذا عمدوا إلى إراقة دم بعض الشبان، عسى أن يكون دمه النشيط سبباً في إخصاب التربة، ولا يتم ذلك إلا في طقوس شعرية، حيث لا فرق بين الشعر والسحر. ومما يؤيد ذلك أن العرب كانت تظن أن الشعر المبدع من إيحاء الشياطين أو الجن.
وفي العصر الزراعي نفسه برزت الميثولوجيا، وكلها تقريباً كانت تروى عن طريق الشعر. ومن هذه الميثولوجيا تفرعت فنون الشعر، من مسرحية وقصة وملحمة وقصيدة غنائية، وسوى ذلك من الفنون الأدبية. فهناك طقوس شعرية/ سحرية للبذار والحراثة والحصاد والاستسقاء والصوم الكبير الذي يتيح للطبيعة أن تتجدد. فالاحتفالات الميثولوجية والأعياد الزراعية الخاصة بالربات، وبخاصة الربة ديميتر (ربة القمح) والرب باخوس إله الخمرة والكرمة والطرب والمجون، على اعتبار أن فسحة المجون ضرورية لطرح أعباء الحياة… إلخ.
تكاد تكون هذه اللوحة عامة، ولا تقتصر على اليونان وحدها. وكان عدد الأعياد يربو كثيراً في اليونان على عدد أيام السنة. ومن الغريب أن يتساءل «ول ديورانت» كيف كان لديهم وقت للقيام بكل هذه الأعياد؟ مع أنه هو الذي قدم لوحة شاملة عن المجتمع اليوناني الذي كان يقوم على العبودية. فكان هناك عبيد ومقيمون أجانب، والمواطن اليوناني لا يكاد يعمل، بل يعتمد على عمل الآخرين. وهذا ما أتاح وقتاً طويلاً لا تشغله إلا الأعياد والاحتفالات. وفي كل احتفال هناك جوائز أدبية لأفضل المسرحيات والقصائد الغنائية والمعزوفات الموسيقية واللوحات الفنية. يضاف إلى ذلك المباريات الرياضية في المصارعة والملاكمة وسباقات الجري وسباقات العربات (وكان بندار أعظم الشعراء الذين اختصوا بمدح الرياضيين والأبطال) والكثير من هذه الأنواع المنشطة للإبداع الأدبي الشعري. ولم يكن للإله الواحد عيد واحد، بل عدة أعياد، وبخاصة آلهة الخصب المذكرة والمؤنثة، أمثال ديونيسيوس وديميتر، والأغلب أن تكون في الخريف حيث تكف الأرض عن العطاء فتقام طقوس الجنازات الحزينة، وفي الربيع حيث تقام الطقوس الصاخبة احتفاء بالانبعاث والعودة إلى الحياة، وهذا ما سبب ظهور نظرية «العود الأبدي». ولم تظهر الفلسفة إلا في مرحلة متأخرة جداً.

كتاب السواعي ووشاح الحزن
في العصور الوسطى، قضت المسيحية على معظم المظاهر السابقة، واستعاضت عنها باحتفالاتها الخاصة، القليلة جداً بالقياس إلى ما سبقها. وظهر كتاب «السواعي» على نوعين «السواعي الكبير» و«السواعي الصغير» وهو عبارة عن سجل للصلوات التي يجب أن تتلوها المرأة في منزلها للقديسين، وما أكثرهم! ففي اليوم الواحد قد تكون هناك صلوات لعدة قديسين، تتلى حسب ساعات النهار، منذ الفجر حتى حلول وقت النوم. وبما أن أبطال المسيحية الأولى عذبوا وقتلوا، فقد جاءت الصلوات حزينة تثير الشجن، مثل كتاب «السنكسار» (سيرة القديسين) الذي يكتفي بسرد السيرة الذاتية من الولادة حتى الاستشهاد.
وكان من الطبيعي أن تتخلف كل الأنواع الأدبية التي ظهرت من النشاط الجماهيري القديم، ويستعاض عنها بالصلوات الحزينة فقط. كما ألغيت الألعاب الأوليمبية وكل أنواع الرياضة، مما جعل معظم المؤرخين يطلق على هذا العصر «عصر الظلام».
وحاول عصر النهضة أن يعيد التقاليد اليونانية فلم يفلح، ولكنه هيّأ لعصر الأنوار الذي يرفض الاعتماد على النصوص القديمة، ويواجه الظاهرة بـ «نور» العقل والحكمة، والتحليل الفكري الدقيق. وانبعث المسرح وبقية الأنواع، ولكن بصورة مصغّرة جداً عما كانت عليه في القديم. إلى أن حلّ العصر الحديث، عصر الصناعة والتكنولوجيا الذي ساد معظم بلدان العالم، فالتهم كل ما يبعث على إيقاظ المشاعر الفنية والراقية، وما يبعث الفرح في النفوس.

عودة من الرماد
لاحظنا أن الشعر لم ينشأ نشأة فردية. ومضت فترة طويلة جداً تظهر فيها الأشعار الجماعية، ولا يظهر أي اسم لأي شاعر. وهذا ما جعل كثيراً من النقاد يذهبون إلى أن هومر ليس أكثر من منشد للملاحم التي كانت من تأليف التجمعات الشعبية، واشترك في نظمها عشرات الشعراء، إن لم نقل المئات. وحتى الشاعر في هذه الأيام ليس أكثر من خلاصة للتراث الجمعي القديم، يتربى عليه، تماماً مثلما كان يتربى الشعراء القدامى، الذين كانوا يشتركون في نظم الأشعار، فقد يكون نصيب الواحد بيتاً أو بيتين، وقد يكون لغيره أضعاف ذلك، ويكون المجموع ناتجاً من المجموع، وليس هناك شاعر مفرد.
إن فينيق الشعر لا ينبعث من رماده إلا إذا توافرت له الشراكة الجمعية التي أنتجت الفن والأدب والرياضة والحكمة وحب الحياة والفرح والمرح… وأشياء أخرى كثيرة، وإلا تحوّلت التجمعات إلى مشاريع تجارية.
لكني ألمح فينيقياً جديداً يولد وهو الشعر الشعبي. كنا في الشهر الواحد نقرأ عشرين ديواناً من الشعر المعهود، ولا نسمع أكثر من أغنية، وأحياناً تمر أشهر بلا فن غنائي، ولكننا اليوم نسمع عشرات الأغاني في الشهر الواحد، ولا نعثر على ديوان واحد من الشعر المعهود. إن البشر لا يعيشون بلا فرح، ولو في أشد عصور العبودية.
وقد يتخلق الفينيق من الرماد القديم ولكن بحلة قشيبة وألوان زاهية. قد يتغيّر، ولكن كما تتغيّر ألوان ريش الطاووس.

جريدة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu