ما الافتراضي؟ ما الواقعي؟ – بقلم د. حسن مدن

ما الافتراضي؟ ما الواقعي؟ – بقلم د. حسن مدن

أما زال صحيحاً التقسيم بين الافتراضي والواقعي؟ درج الناس على اعتبار ما يحمله العالم الرقمي بمنصاته المتعددة افتراضياً، ولسان حالهم يقول: «الواقع هنا، حيث نحن، حيث نقيم. واقع من لحم ودم. ما في العالم الرقمي ليس واقعاً، بل قد يكون وهماً»، داعين المأخوذين بهذا العالم الرقمي: «عودوا إلى الواقع، ما أنتم فيه يجعلكم غرباء عن واقعٍ من حولكم مملوء بالتفاصيل».
هل حقاً ما زال «الافتراضي» افتراضياً، ليس واقعاً؟ هل حقاً ما زالت ثمة سدود وحواجز بين العالمين، أم أنهما تداخلا، حتى أوشكا أن يكونا عالماً واحداً.
«ماذا فعلت بنا يا عزيزي السيد مارك، صاحب الفضاء الأزرق؟»، هكذا كتبت الأديبة العراقية إنعام كده جي في مقال، وهي تتناول أثر وسائل الاتصال الاجتماعي في تحشيد الناس في الانتفاضة العراقية ضد الفساد والطائفية والارتهان للخارج. ما الافتراضي؟ وما الواقعي في هذا؟ الحشود في شوارع بغداد ومدن العراق هي لبشر. شبان وشابات وكهول من الجنسين. بشر من لحم ودم. ليسوا كائنات افتراضية، ولكن الكثيرين منهم أتوا إلى الساحة تلبية لنداءات حملها، ولم يطلقها، السيد مارك وصحبه.
ما في بغداد اليوم هو نفسه ما في بيروت. وهو نفسه الذي شاهدناه وسنشاهده في مدن مختلفة. سقط الحاجز بين الافتراضي والواقعي. علينا ألا ننسى أن القشة التي قصمت ظهر البعير في لبنان كانت ضريبة أعلنت عنها الحكومة المستقيلة على خدمة «واتس آب». يا لها من قشة قاصمة!. استهدفت الافتراضي لتشعل الواقعي. أيصح، بعد هذا كله، الحديث عن عالمين منفصلين؟.
سيقول قائلون: «الافتراضي لا يصنع الواقع. تناقضات الواقع هي التي تشعل الغضب، لا مارك ولا صحبه». وسنردّ: هذا صحيح، لكن الافتراضي يفعل ذلك بمقدار ما أصبح هو نفسه واقعياً.
موقع «بي.بي. سي» نشر أمس تقريراً عن «الإعلام البديل في مواجهة الإعلام التقليدي في احتجاجات لبنان». النتيجة التي خلص إليها التقرير يشي بها عنوانه. ما عجز عنه الإعلام التقليدي قام به الإعلام الرقمي، الافتراضي إن شئتم، ولنلاحظ أن الحديث هنا يدور عن بلد تتوفر فيه مقادير واسعة من حرية التعبير، تُسقط عن الإعلام التقليدي حجته، فهو لا يستطيع التذرع بالقيود المفروضة عليه.
التقرير أشار إلى قيد آخر مهم لا علاقة له بسقف الحريات، هو أن الاعلام التقليدي موجّه من جهات سياسية وحزبية تتحكم في محتوى الرسائل التي ينشرها. في هذا يصبح الإعلام «الافتراضي» «واقعياً» أكثر من سابقه.

جريدة الخليج

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu