«خائفو» ديمة ونوس بلا هوية

«خائفو» ديمة ونوس بلا هوية

في روايتها الثانية «الخائفون» (الآداب، 2017)، تنقلنا ديمة ونوس إلى عمق المأساة السورية من خلال شكلٍ سرديّ متميّز، وحفْرٍ في أعماق شخصياتٍ تستبطن الحياة اليومية في ظل التسلط والبطش وزرع الخوف الدائم في النفوس. لتجسيد هذا الخوف ونقله إلى نطاق المعيش والمحسوس، عمدت الكاتبة إلى صوغ نصيْن متوازييْن ومتعاقبيْن يكمل أحدهما الآخر ويحققان معاً التفاعل بين الذاتي والجمْعي.
النص الحاضن للرواية والمؤشّر على حاضرها، يأتينا على لسان سُليْمى التي فضلت البقاء في دمشق مع أمها وأبيها، منذ انطلاق انتفاضة سورية في 2011 ضد النظام الاستبدادي الكاتم للأنفاس. وهي مثل معظم مواطنيها، فريسة للخوف والقلق، ما جعلها تتردد إلى عيادة الطبيب النفساني «كميل» حيث التقت بـ «نسيم» الكاتب/الطبيب الذي يكتب باسم مستعار خوفا من زبانية السلطة. وهو قرر، تحت وطأة الخوف، أن يغادر إلى ألمانيا مُتعللاً بمرافقة والده. وقبل مغادرته، ترك لها أوراقاً تحوي رواية ناقصة، وتحكي عن فتاة تتقاطع حياتها مع حياة صديقته سليْمى، ما جعلها تقول عنها: «…إنها أقرب إلى سيرة ذاتية لامرأة مصنوعة من الخوف. مثلي. مثله. ماذا أراد نسيم؟ هل افترض أنني سأكتب نهاية لها؟ هل بدأ بها وقد استغرقه الخوف، فلم يقوَ على إنجازها؟» (ص 24). أوراق نسيم هذه، هي التي تشكّل النص الموازي الذي يتخلل النص الحاضن، وتحكي عن فتاة تعيش في مُناخ إرهاب الدولة ذاته، مع والدها الكاتب المصاب بالسرطان والمتجه نحو الموت، وأمها الخائفة الفاقدة للبوصلة… وعلى رغم أن «أوراق نسيم» موصولة بالتخييل، فإنها تغدو مُكملة لما تحكيه سليْمى عن واقعها المعيش بين الناس؛ ما جعلها تعتقد، بعد أن أنهتْ قراءة أوراق نسيم، أن بطلته غير المسمّاة هي نفسها، ونسيم حاول أن يضعها ضمن تفاصيل مُغايرة. يتضح، بعد قراءة «الخائفون» أن هذا البناء القائم على نصيْن مُتداخليْن على رغم تمايزهما، يضطلع بوظيفتيْن متكاملتيْن: الأولى، توسيع المجال الاجتماعي ليشمل كل العيّنات الأساس في تكوين المجتمع السوري( السنة، الشيعة، العلويون…) ورجال السلطة والشبيحة والمثقفون المعارضون،وحياة الناس في الضيعة والعاصمة، واختلاف لهجات الكلام… والوظيفة الثانية لهذا البناء السردي، هي وضعُ مسافة بين الواقع القمعي، الدموي، اليومي، وبين تجلياته في نفسيات المواطنين وسلوكهم وأحلامهم من خلال ترددهم على عيادة الطبيب كميل، أو حين يتنقلون بين دمشق وبيروت بحثا ًعن أمانٍ مفقود، أو وَهُمْ يتحدثون عن العلاقات الحميمة مع الأم والأب والأخ والعمّات… بعبارة ثانية، ساعد هذا البناء على الإيهام بواقعية المجتمع السوري الذي تحوّل بعد فشل الثورة السلمية، إلى مجرد هيكل تحرسه وتحصي أنفاسه طغمة مُتسلطة. وداخل ذلك الهيكل، يعيش أناس تحت هاجس «الخوف من الخوف»، ينشدون جميعهم مشفى يُسعفهم على تحمل اختلالاتهم ووساوسهم. على هذا النحو، أصبحت رواية «الخائفون» تجسيدا تخييليا لمرحلة تتأبّى عن الوصف والتصنيف المباشريْن. ويمكن أن نصف التحويل التخييلي الذي أنجزتْه الرواية من خلال التعبير الذي استعملتْه الكاتبة، وهو أن سورية أضحتْ « واقعاً راقداً في اللاوعي، ولم تعُدْ موضوعاً سياسياً ملموساً يستدعي الحلّ» (ص102).

نتيجة لاعتماد السلطة على القمع والتقتيل، واستمرار الحرب الداخلية في كل أرجاء البلاد، نشرَ الخوف ظلاله وحضوره بأشكالٍ مختلفة على حياة الناس. من ثم، تغدو الشخوص في الرواية (سليْمى، نسيم، الأم، الأب، ليلى، سلمى…) وكأنها مرايا تعكس ذلك الخوف العامّ عبْرَ صورٍ، مهما تباعدتْ، تعود لتلتقي في عيادة الطبيب النفساني كميل الذي يبذل جهدا كبيرا ليُروّض غولَ الخوف الذي تسلل إلى كل النفوس وزعزع َاستقرارها: مَنْ بقوا داخل سورية يلتجئون إلى الطبيب، ومَنْ هزمهم الخوف نزحوا إلى خارج البلاد، لكن مصدر القلق والرعب يلاحق الجميع، لأن سورية تحولتْ إلى «واقع ساكنٍ في اللاوعي»، بعد أن تواطأ الجميع على أن يتناسوا أنها موضوع سياسي يتطلب حلاً ملموساً لكي يتبدد الخوف وتستأنف الحياة سيْرها الطبيعي.

على هذا النحو، اضطرت بطلة «أوراق نسيم» أن تسكن بيروت بعد أن نصحها الطبيب بذلك، خوفاً من أن تصاب بالجنون، واختارت سليْمى البقاء مع أمها في دمشق، متحملة الكوابيس والأحلام المرعبة، وكأنها تبحث عن نهاية لرواية نسيم الناقصة. تستمر في العيش بدمشق متحملة الهلوسات اليومية التي تعيشها بالقرب من أمها : «أمي الجالسة الآن على الكنبة تقرأ في الصفحة «24» ذاتها منذ أيام، كبُرتْ. أتكون كبُرت في الليل؟ أتكفي ليلة واحدة؟ أتكفي حفنة أحلام ليلة واحدة ليكبر المرء إلى هذا الحد؟ وأقول لحسن الحظ أنها كبرتْ في الليل وليس في قلب النهار مثلا، لكنتُ أصبتُ بالذعر» (ص 55).

من هذا المنظور، تغدو رواية «الخائفون» بمثابة ميكرو- بنية، تقدم شخوصاً يستبطنون الهشاشة النفسية، واهتزازات العواطف والقيَم كما أصبحت تتجلى في المجتمع السوري بوصفه البنية الكبرى المُهترئة، نتيجة عقودٍ من الاستبداد والحكم العسكري. ويمكن القول، على ضوء هذه الملاحظات، إن «الخائفون» استطاعت أن تُبلور «الهوية السردية» التي حدّدها بولْ ريكور، بوصفها المجال الذي يُتيح لنا أن نتعرف إلى أنفسنا، وأن نعيد تحديدَ موقعنا الفرديّ والجماعي على السواء. وانطلاقاً من ذلك، ندرك الأبعادَ الغيْرية داخل مجتمع مُتفجّر ومُتحوّل إلى أفراد وكياناتٍ منعزلة، كما هو الشأن راهناً في سورية.

لقد استــــطاعت ديــمة ونوسْ أن تلملمَ تلك «الهُوية السردية» من خلال البناء السردي القائم على صوتيْن متوازييْن ومتداخليْن عندما يتعلق الأمر بالخروج من الذات الضيقة إلى ملامسة المأساة المجتمعية في امتداداتها الغيْريّة، عندئذ لا يعود التفكير منحصراً في ما يدور بأعماق النفوس، بل يغدو تفكيراً وأحاسيس تشمل كل الآخرين ضحايا التسلط والعسف. إن هذه الخصائص كلها جعلت من رواية «الخائفون» شهادة ملموسة، نابضة بالمشاعر والتفاصيل عن هذه الفترة المظلمة من تاريخ سورية.

جريدة الحياة