ألا يستحق العرب نوبل للآداب – بقلم أمين الزاوي

ألا يستحق العرب نوبل للآداب – بقلم أمين الزاوي

أدبنا السردي كما الشعري يتأسس داخل روح المطلبية السياسية أكثر ما يتأسس على دواخل السؤال الفلسفي، لذا يبدو أدبنا وكأنه أدب موسمي، مع استثناءات قليلة لم تصل بعد إلى الآخر.

مع اقتراب موعد الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل للآداب من قبل أكاديمية ستوكهولم، وككل سنة، يبدأ العرب والمغاربيّون، النخب الجامعية والكتاب والنقاد والإعلاميون، في قراءة الفنجان؟ في ضرب خط الرمل؟ يطرحون أسماء من عندياتهم، يُسقطون أسماء من عنديات خصومهم، يبررون أولوية هذا وعدم شرعية الآخر، والحبل على الغارب، تتدخل السياسة والأيديولوجيا والولاءات في تأويلاتهم، وفي النهاية كل ذلك لا يتعدى تخمينات العجائز وتوقعات قارئة الفنجان.

وككل سنة تعود الأسماء التي كانت على أعمدة الصحافة منذ عشر سنوات إلى الوجود والنقاش باستثناء تلك التي نادى عليها منادي الموت. ومع كل موعد، وبمجرد الإعلان عن الاسم المتوّج بالجائزة العالمية، تبدأ درجة الأيديولوجيا في الارتفاع داخل الخطابات النقدية والإعلامية، ويبدأ التباكي، والشكوى تصّاعد من هنا وهناك. تفرّخ بعض الصحف والمنابر الإعلامية جملة من التبريرات الأيديولوجية التي تكون السبب وراء حجب الجائزة عن الكُتاب العرب والمغاربيين، وكما عند السياسيين العرب والمغاربيين الفاشلين يتستّر الأدباء العرب أيضا بـ”نظرية المؤامرة” الخارجية عليهم. ففي تصورهم أن الأكاديمية السويدية بستوكهولم تعادي هذا الكاتب أو ذاك لأن له موقفا سياسيا معينا من إسرائيل أو من أميركا، وأن الأكاديمية منحازة لغير العرب وأنها تحت سيطرة اللوبي اليهودي وأنها ضد فلسطين وأنها تحت سيطرة إسرائيل، ولكن لا أحد تساءل هل بالفعل العرب والمغاربيون يكتبون أدبا عالميا؟ هل نصوصنا الروائية والشعرية تحمل هموم العالم الذي نعيش فيه بكل متناقضاته وهواجسه السياسية والإيكولوجية والدينية والجنسية والعرقية واللغوية؟ هل النص الذي يكتبه الأديب العربي نص متحرر من ثقل الفكر الأبوي؟ هل ما يسمى بالنصوص السردية العربية والمغاربية الكبيرة تحمل دفاعا عن الحرية الفردية؟

في تصوري أن العرب والمغاربيين يكتبون، وبشكل عام، أدبا فيه حس الغضب أكثر من حس التأمل. يكتبون أدبا شعرا كان أم سردا روائيا فيه كثير من الخوف في قول كل شيء، لأن المثقف العربي والمغاربي تربى داخل فكر القطيع. وبالتالي لم يتحرر بشكل نهائي من هذا الثقل الفكري والأيديولوجي الذي يحمله كجثة متفسخة على كتفيه، حتى الكتاب الذين هاجروا إلى جغرافيات أخرى ولغات أخرى لا يزالون يحملون هذا الثقل في ذاكراتهم.

لست أدري لماذا حين أقرأ الأدب الروائي الأميركو-لاتيني أشعر وكأنني أقرأ أدبا سرديا عربيا مترجما إلى الإسبانية؟ وحين أقرأ الرواية العربية أشعر وكأنني أقرأ رواية إنكليزية أو فرنسية أو إسبانية أو إيطالية؟

إن الخصوصيات الجمالية التي أسس لها الأدب الروائي الأميركي سواء ما كتبه غارسيا ماركيز أو كارلوس فونتيس أو سراماقو أو بورخيس وغيرهم من الأقلام السردية العالمية الاستثنائية هي خصوصيات تستند في كثير منها خاصة ما يتصل بالفانتاستيك والغرائبي على البنية التخييلية الموجودة في روح كتاب “ألف ليلة وليلة” المؤسس أصلا على البنى الحكائية الشرقية التي تتجلى فيها العبقرية الخيالية للثقافة العربية الإسلامية في حوارها مع الثقافات الشرقية الأخرى الفارسية والصينية والتركية والهندية. في حين أشعر وأنا أقرأ الأدب السردي العربي وكأنه جاء لينسخ الأدب الأوروبي منذ بداية التأسيس للرواية، فالرواية العربية ولدت أوروبية ولم تخرج حتى الآن عن هذا الإطار. ولدت وعينها على الغرب ولا تزال كذلك حتى الآن، لذلك الكتابة العربية لا تدهش الآخر لأنها تنسخه، أي بتعبير قديم جدا “بضاعتنا رُدت إلينا”؟

نسمع ونقرأ كثيرا في حوارات المثقفين العرب والمغاربيين أن الكتاب الأول الذي قرأوه وتأثروا به هو “ألف ليلة وليلة” مع مديح كبير لهذا الكتاب في أسلوبه وجرأته، وأنا أشك في ذلك، لأن تقاليد هذا الكتاب لم تظهر ولم يتم تمثّلها جماليا داخل الكتابة السردية العربية بشكل عضوي، لم نكن نسمع بمثل هذه التصريحات وبهذا الافتخار بكتاب ألف ليلة وليلة عند الكتاب العرب والمغاربيين إلا بعد أن أكد كثير من الكتاب الأوروبيين والأميركيين على إعجابهم بعبقرية هذا الكتاب وبتفرده على مستوى التخييل والجرأة والموسوعية الحضارية التي تمارسها الكتابة الروائية الأوروبية والأميركية اليوم. لكل ذلك كلما جاء موعد جائزة نوبل للآداب يبدأ العرب في التكهن، ولكني أشعر بأننا لم نخلق بعد بنية جمالية سردية لها خصوصية قادرة على أن تدهش على مستوى الكتابة، ولم نستطع أيضا أن نتخلص من الكتابة المليئة بالغضب أو بالرفض أو بالإدانة لندخل في باب مشروع الكتابة التي تتأمل وتتفلسف في الظواهر الاجتماعية والسياسية والطبيعية من حولنا كالحروب والفقر والتمييز الجنسي وحقوق المرأة.

أدبنا السردي كما الشعري يتأسس داخل روح المطلبية السياسية أكثر ما يتأسس على دواخل السؤال الفلسفي، لذا يبدو أدبنا وكأنه أدب موسمي، مع استثناءات قليلة لم تصل بعد إلى الآخر.

صحيفة العرب

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu