سيدة جليلة من البصرة – بقلم ناصر الظاهري

ناصر-الظاهري

حين تكون المدن عظيمة بأشيائها وتاريخها وصراعاتها التي لا تنتهي مع الحياة، وما يمر عليها من ظروف ومآس وأفراح وأتراح، يصعب عليها ألَّا تنجب النساء الجليلات، مثلما تفرح حين تلد الرجال النُجب، وقد لا يظهر هؤلاء الأولاد على حقيقة معدنهم الأصيل إلا في أوقات الشدة والعسرة، وحين تنادي الأوطان من غبنها وشجنها. «عالية محمد باقر» سيدة جليلة، توفيت نهار الجمعة المنصرم بمضاعفات الكورونا، كتبها الله لديه من الأبرار وفي مواكب الصديقين والشهداء، مثلما عطّرت مدينة البصرة بسيرتها الوطنية، الشاهدة على النجباء المنحدرين من مدن لها صهيلها الذي لا يتوقف عبر التاريخ، والبصرة مكتظة بشعرائها وفنانيها وكتّابها ومثقفيها وثائريها ووطنييها، ومن يمكن أن يطلق عليهم جزافاً المارقين غير العابئين عبر أزمانها.
عالية محمد باقر ولدت في البصرة عام 1952، وتعلمت في مدارسها وتخرجت من الجامعة المستنصرية في بغداد، وبقيت تعمل أمينة لمكتبات عدة في ربوع العراق حتى عادت لمدينتها البصرة لتتسلم أمينة مكتبة البصرة المركزية، وربما هذا كان قدرها الجميل، وقدر البصرة، وقدر هذه المكتبة الزاخرة بالمخطوطات والكتب القديمة والنادرة، بقيت حتى عام 1994 تعمل فيها حتى أصبحت أمينة كل مكتباتها، لكن قصتها الحقيقية والبطولية بدأت عام 2003 حينما دخلت قوات عراقية للتمركز على أسطح المكتبة المركزية ونصبت مضادات للطائرات أعلى سطحها، فشعرت «عالية محمد باقر» بخطر على تلك المكتبة وما تحتويه، فطلبت من تلك القوة أن تنقل محتوياتها الهامة من المكتبة إلى مكان أمين خوف التلف والضياع أو الحريق أو أي غارة لم يقدر حسابها، فرفض طلبها مرات عدة، لكنها تصرفت بحسها الوطني وإيمانها بدورها المهم في تلك اللحظات الحرجة والتاريخية التي يمر بها العراق، فقامت تتسلل في أوقات معينة وتنقل ما تقدر عليه من تلك الكنوز القيمة إلى بيتها، واظبت على ذلك العمل خفية، ودون أن يشعر بها أحد، مستخدمة مرة الحيلة ومرة التورية، ومرة أخرى البطولة والجرأة والشجاعة، ودون مساعدة إلا من قلة مخلصين للوطن تعرفهم بالاسم والرسم، وفي يوم تعرض ذلك الموقع الذي تتحصن فيه القوة ومضاداتها للطائرات المنصوبة على سطح المكتبة إلى غارة وتدمير وحريق، وقضي على ما تبقى في تلك المكتبة، لكن عمل تلك السيدة الجليلة من البصرة كان قد أنقذ 30 ألف مخطوطة وكتاباً نادراً، منها كتاب قيّم وقديم عن النبي محمد، عليه أفضل الصلوات والتبريكات، كان خبر إنقاذ تلك الذخيرة الثقافية يتصدر الصحف الأمريكية، وصور بطولة تلك السيدة الجليلة في أبرز صفحاتها، مما ألهم الكاتبة الإنجليزية «جانيت وينتر» أن تؤلف كتاباً للأطفال يعلمهم الشجاعة وروح الوطنية، وكان بعنوان «موظفة مكتبة البصرة»، فلقي إقبالاً منقطع النظير، وتحول إلى عرض مسرحي جوال في أكثر من مسرح، وحدنا في عالمنا العربي نمجد «الفاشينيستات» وتوافه التواصل الاجتماعي، كما مجّدنا من قبل الراقصات، ونسينا أبطالنا وبطلاتنا من المناضلين والمناضلات من أجل الأوطان وذخيرة الزمان من مقتنياتنا ومكتسباتنا الوطنية، نسينا «عالية محمد باقر» وصفّقنا لأبطال وهميين، ومرتشين وفاسدين سياسيين ومتعممين، ومدعي الوطنية الغائبة!

جريدة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •