الدكتور مهيمن – بقلم إنعام كجه

إنعام-كجه-جي

في ساعة مبكرة من كل سبت، يضع الدكتور مهيمن جميل عجلات التزلج في حقيبة على الظهر وينطلق ليلتحق بمجموعته من الشباب والفتيات. وهم قد لا يكونون شباباً بالمعنى المتعارف للمرحلة العمرية لكنهم يتطوعون للقيام بما يجعل قلوبهم وأرواحهم تفيض عافية.
يذهب عدد منهم إلى المصحات ودور المسنين، في لندن، ليأخذوا عجزة مع كراسيهم المتحركة، بينما يتوجه آخرون إلى مراكز العناية بالمعاقين والمصابين بالشلل، يصطحبونهم على عجلاتهم المدولبة إلى الحدائق العامة في نزهة تمتد لكيلومترات عديدة، تنتهي بجلسة في أحد المقاهي. يلتفت السائقون والمتنزهون ليطالعوا المنظر الفريد: أفراد يتحركون على أحذية ذات عجلات «سكيتنغ» يدفعون يافعين من ذوي الاحتياجات الخاصة أو مسنين على كراسي متحركة.
يبلغ مهيمن جميل السادسة والستين. تخرج في كلية الطب في بغداد وكان عاشقاً للموسيقى. عمل في دكان «أغانينا» في حي المنصور، يبيع أشرطة التسجيل. كان صاحب المحل يأتي بالأسطوانات من الخارج وينقلها على كاسيتات. وبفضل صداقاته في المحل اشتغل في إذاعة «إف إم»، يقدم الأغنيات الأجنبية الحديثة ويتولى التعريف بمغنيها.
تخرج مهيمن وبقي سنة قيد الإقامة في المستشفيات. كل ثلاثة أشهر في مستشفى. تدرب على الجراحة العامة والباطنية وأمراض النساء والأطفال. ولما استدعي لأداء الخدمة العسكرية قامت الحرب مع إيران وسيق إلى الحرب. تعرضت سيارة الإسعاف للقصف بينما كان يقوم بإخلاء جرحى من جبهة القتال. انقلبت به وتكسرت فقرات من ظهره. عولج ونقل للعمل في مستوصف عسكري. وصل أوائل صيف 1990 إلى بريطانيا لكي يتخصص في جراحة الجملة العصبية. بعد شهرين دخل صدام إلى الكويت وجرى استدعاؤه للجيش ثانية. لم يعد إلى العراق وواصل دراسته. كان ينتظر أن تتحسن الأمور، ولم تتحسن. وهو يشتغل منذ سنوات طبيباً في مصح لـ«الرعاية التلطيفية». وهو اسم تلطيفيّ للمرضى الموشكين على الرحيل. يخفف أوجاعهم ويأخذ بأيديهم في أسابيعهم الأخيرة. يقول إن عمله هو ترجمة لدعاء: اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.
في 2012، بعد أولمبياد لندن لذوي الاحتياجات الخاصة، تعرف مهيمن على أعضاء من جمعية فرنسية تنوي تنظيم رحلة لدفع كراسي ستة معاقين من باريس إلى لندن. تطوع ليكون أحد الذين يتولون دفع العجلات. وبفضل الشبكة الإلكترونية وتضامن أهالي القرى الواقعة على مسار الرحلة، تم اختيار الطرق الأقل ازدحاماً بالسيارات والخالية من ارتفاعات ومنحدرات صعبة. تناوب أربعون شخصاً على دفع الكراسي الستة، بينهم محامون ومحاسبون وقاضية وعاطلون عن العمل. نجحت التجربة وكتبت عنها بعض الصحف. تحولت إلى فكرة يجري تقليدها في بلجيكا وهولندا وأدنبره وأستراليا.
يقسّم الدكتور مهيمن وقته ما بين أسرته وهوايته الرياضية. يتدرب بانتظام وكان يركض في الماراثونات المختلفة. أصاب التلف ركبته وما عاد قادراً على الجري فتحول إلى العجلات. وهو لا يرى في تطوعه للترفيه عن المعاقين إحساناً بل متعة. يتصل بهم أهالي المعاقين ويطلبون الانضمام إليهم. يلبون الطلبات بدون أي تمييز، مهما كان الجنس والعرق والدين. تصادق الطبيب العراقي مع شاب من بلد أفريقي ولد بدون أطراف. تخلت عنه والدته وتبنته امرأة يملأ النور قلبها، ترعاه منذ ستة وعشرين عاماً. وبأخمصين في القدم تعلم الشاب الكتابة على الحاسوب وإدارة الكرسي الكهربائي المخصص لحالته.
والعراق، وطنه الأم؟ يتمنى الدكتور مهيمن جميل لو كان يستطيع تنفيذ التجربة في بغداد. يدفع كراسي معاقي الحروب والتفجيرات، وما أكثرهم. لكن أين هي المسارات الصالحة والآمنة؟ إن للناس هناك هموماً أخرى غير الترفيه عن المعطوبين.

جريدة الشرق الأوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •