«العميد» في أعين معاصريه – بقلم د. حسن مدن

«العميد» في أعين معاصريه – بقلم د. حسن مدن

هل هناك ما لم يقل بعد عن طه حسين؟ مرّد هذا السؤال ما يبدر في أذهاننا كلما طالعتنا كتب أو دراسات عن «عميد الأدب العربي»، وهي لكثرتها وتنوعها وأهمية من كتبها، تحملنا على التفكير فيما إذا ترك الأولون للتالين ما يقولونه عن أدب وفكر ومنهج وسيرة صاحب هذا العقل الاستثنائي في مصر والعالم العربي؟
أعتبر نفسي ممن قرأوا الكثير لطه حسين وعنه، لدواعٍ معرفية وأخرى بحثية، حتى انتابني الشعور بأني اكتفيت، وأني لن أعثر على ما يضيف، فلم أعد أعطي أولوية لما أصادف من جديد الدراسات المكرسة له، لكن من بوسعه أن يقاوم مطالعة كتاب عن طه حسين اجتمعت فيه أسماء من وزن محمود أمين العالم، محمود تيمور، كامل زهيري، شوقي ضيف، شكري عيّاد، سهير القلماوي، رجاء النقّاش، أنور الجندي، أحمد كمال زكي وآخرين غيرهم.
«دار الهلال» التي أصدرت الكتاب اختارت له العنوان التالي: «طه حسين كما يعرفه كتاب عصره»، ولكن الدار أغفلت، في خطأ متكرر لبعض دور النشر، تدوين سنة الإصدار عليه، واستكتبت هذه الأسماء الكبيرة للكتابة عن طه حسين من جوانب مختلفة، أو أنها ببساطة جمعت ما كتبه هؤلاء من دراسات عنه في مناسبات مختلفة، ووضعتها بين دفتي الكتاب.
هذا ليس مهماً، فما يحويه الكتاب من دراسات يدلنا على طه حسين مؤلف «في الشعر الجاهلي»، وصاحب «الأيام» وغيرهما، وطه حسين المؤرخ الإسلامي، والناقد الأدبي، والفيلسوف المأخوذ بديكارت. تلك «الخلطة» النادرة بين شيخ أزهري نهل العلوم الدينية وهضمها، و«دكتور» درس الفكر الغربي من منابعه، وبواحدة من أهم لغاته على الإطلاق، ألا وهي الفرنسية، لذا لا يمكن الحديث عن طه حسين دون إغفال دور «المثاقفة» في تكوينه الراسخ الرصين، ونجد في الكتاب من كتب عن العميد والأدب الفرنسي، ومن كتب عنه والثقافة اليونانية.
سافر طه حسين إلى فرنسا عام 1914. لم تكن قد مضت سوى شهور على اندلاع الحرب العالمية الأولى، فطلب، والراوي هنا أنور الجندي، ألا يذهب إلى باريس لقربها من ساحات الحرب، واختار مونبلييه، وبقي فيها حتى سبتمبر 1915 حين قررت الجامعة إعادة مبعوثيها، فعاد، وكتب يومها: «يعود الناس إلى بلادهم بعد الغربة فرحين؛ ولكني عدت آسفاً محزوناً، فماذا تريدون من رجل لم يكد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية».
من حسن حظه، وحظنا، أنه سرعان ما عاد لفرنسا بعد أربعة أشهر. 

جريدة الخليج

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu