الذين يوزعون العذاب والرحمة – بقلم علي عبيد الهاملي

الذين يوزعون العذاب والرحمة – بقلم علي عبيد الهاملي

في طريقنا من متحف «مدام توسو» إلى عجلة «لندن آي» المقامة على ضفاف نهر التايمز، حيث يمكن لراكبها أن يشاهد من على ارتفاع 135 متراً أهم معالم العاصمة البريطانية مثل كاتدرائية سانت بول، وقلعة وندسور، وقصر وستمنستر الذي تقع في الطرف الشمالي منه ساعة «بج بن» الشهيرة، وبينما كانت سيارة التاكسي التي كنا نستقلها متوقفة عند إحدى الإشارات، مر بجوارنا مجموعة من الصينيين يرتدون أقنعة واقية، في ردة فعل كما يبدو على انتشار وباء كورونا الجديد في بلدهم، وما حصده حتى الآن من أرواح مواطنيهم هناك.

التفت السائق المنحدر من إحدى الدول الأسيوية الإسلامية الكبرى نحونا، وعلق على المشهد متحدثاً عن الوباء أولاً، ثم ختم حديثه قائلاً: هذا عقاب من الله لهم. سأله ابني الجالس بجواره: ولماذا يعاقبهم الله؟ أجاب: ألم تسمع عن ما يفعلونه بالمسلمين هناك؟ كان واضحاً أنه يعرف الإجابة لكنه أراد أن يستدرجه، فعلق مبدياً عدم موافقته على رأي السائق الذي بدأ يتراجع قبل أن يلوذ بالصمت مع اقترابنا من المحطة التي كنا نقصدها.

ذكّرني هذا الحوار بالجدل الذي يدور كلما حدثت كارثة في منطقة ما من العالم، حيث يرجعها أصحاب المنطق الذي برر به السائق ظهور وباء كورونا الجديد في الصين بأنه عقوبة وانتقام إلهي، بينما يعارض كثيرون هذا المنطق، ويخضعون الأمر للعقل والعلم والواقع، ويؤكدون أن الكوارث لا تفرق بين أصحاب الديانات، وقد أصابت أصحاب ديانات سماوية كثيرة قبل ظهورالإسلام، كما أصابت عدداً من المسلمين المشهود لهم بالورع والتقوى.

ويضربون على رأيهم هذا أمثلة كثيرة، منها على سبيل المثال ما حل بالمسلمين في السنة الثامنة عشرة للهجرة، التي عرفت في التاريخ بـ «عام الرمادة»، حيث حدثت بالمدينة المنورة مجاعة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أكثر الخلفاء الراشدين عدلاً كما تذكر كتب التاريخ والسيرة.

وقد تزامنت هذه المجاعة مع «طاعون عمواس» الذي وقع في بلاد الشام ومات بسببه ما يقرب من 30 ألف مسلم، بينهم عدد من كبار صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منهم أبوعبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وضرار بن الأزور، وغيرهم من أشراف الصحابة.

وقد سميت السنة «عام الرمادة» نظراً لانقطاع المطر عن المدينة، واسوداد الأرض حتى أصبح لونها وألوان الناس كالرماد، فهل كان الله يعاقب المسلمين وهم أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأقرب عهداً به وبرسالته بالمجاعة والوباء؟

هنا نطرح أسئلة عدة عن نعم كثيرة يتمتع بها مسلمون وآخرون غير مسلمين، وعن كوارث كثيرة يتعرض لها مسلمون وآخرون غير مسلمين، فهل نخضع هذه النعم والكوارث لمنطق هذه الفئة أيضاً، وكيف يمكن أن نفرق بين الانتقام والابتلاء، وفقاً لمنطق هؤلاء، إذا كانت النعم والكوارث لا تفرق بين أتباع الديانات السماوية وغيرهم ممن لا دين لهم؟

نعتقد أن هذا الجدل يجب أن يتوقف لأنه جدل لا طائل من ورائه، فالذين يوزعون النعم والكوارث بشر محجوب عنهم الغيب، لا يستطيعون معرفة ما كتب الله لهم من عذاب أو رحمة، فكيف لهم أن يعرفوا ما كتب الله لغيرهم؟! وهم بتوزيعهم هذا للعذاب والرحمة بين البشر يتعدون حدود معرفتهم وعلمهم.

وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

وحتى لو سلمنا جدلاً بمنطق أصحاب الرأي الأول الذين يرون أن مثل هذه الكوارث إنما تصيب غير المسلمين عقاباً لهم، فبماذا نفسر خروج الأمراض والأوبئة عن السيطرة وانتشارها في دول العالم المختلفة، ومنها دول يدين أهلها بالإسلام؟

وبماذا نفسر ما تتعرض له بعض الدول الإسلامية من كوارث ومجاعات وفيضانات وزلازل، تقتل وتشرد آلاف المسلمين الذين يجدون أنفسهم بلا سكن ولا طعام ولا مأوى، ومنها دولة سائق التاكسي ذات الأغلبية المسلمة، التي تغرقها الفيضانات كل عام وتشرد أهلها المسلمين؟ ولماذا يهاجر المسلمون إلى دول لا يدين أهلها بالإسلام كي يكسبوا رزقهم إذا كانوا يرون أن هذه الدول كافرة تستحق غضب الله وعقابه؟

إن الله أرأف بالناس من أنفسهم، وَسِعت رحمته كل شيء، وأحاط علمه بكل ما في هذا الكون الفسيح. كل ما علينا هو أن نؤمن بقضاء الله وقدره، وألا نتصدى لتوزيع العذاب والرحمة، لأن لله معايير تختلف عن معاييرنا نحن البشر.

جريدة البيان

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu