ما قيمة الكاتب في الوطن العربي؟ – بقلمد. واسيني الاعرج

ما قيمة الكاتب في الوطن العربي؟ – بقلمد. واسيني الاعرج

قد يبدو الأمر غريباً، لكنه يطرح على ثقافتنا بحدة.. في المطلق، المبدع عموماً، والكاتب بالخصوص، لا يموت.. يقف الموت أمامه بلا أسلحة، يضاهي الأبدية والخلود، وربما هذه هي خاصية الفن في علاقته بجوهر الإنسان. وتبقى الأعمال شاهداً على حياته الأبدية الغنية، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات، لأن محيطنا اليومي يؤكد على ذلك.

عندما نفتح أعيننا على المكتبات العامة، أو مكتباتنا المنزلية، تبدو الأسماء التي تبرق من بين آلاف الكتب، فنرى بلزاك، زولا، فلوبير، محفوظ، المعري، همنغواي، سارتر، ماركس، التوحيدي، ابن خلدون.. إلخ، كأنهم معنا ولم يستطع الموت أن يمارس محوه معهم.. صحبتهم تؤنسنا كثيراً وتمنحنا دفئاً خاصاً.

ترى من يشكك اليوم في الوجود الحي لشكسبير أو لنتشه أو لمحفوظ؟.. حضورهم الدائم يطغى أحياناً حتى على الأحياء، فهل المسألة تلقائية أم خاضعة لنظام خاص؟.. طبعاً لا توجد الصدفة في مثل هذه الأمور.

إخراج مسرحيات شكسبير، وتحويل بعضها إلى أفلام بما في ذلك شخصيته، غير الحضور الأكاديمي في جامعات العالم ومراكز الأبحاث.. كل هذا يمنح الشخصية حضوراً كبيراً يستمر عبر الأجيال المتعاقبة، ويمنحها استمراراً في الوعي الجمعي والإنساني.

من حقنا اليوم أن نطرح السؤال عن أنفسنا: هل استفدنا في الوطن العربي من هذه القيمة التي تعطى للكاتب، بحيث يستمر فينا كبارنا الذين صنعوا الوعي الفني الجمعي والإنساني؟، وكم دراسة، وكم من فيلم، تستعيد اليوم أعمال ابن رشد، أو ابن خلدون، أو المعري، ومحفوظ، أو حنا مينه، أو سعد الله ونوس، أو الطاهر وطار، أو غيرهم، وتضعها في سياق الأجيال الجديدة التي من حقها أن تعرف تاريخها ورموزها؟.. لا معرفة متأصلة، ولا استقامة ولا ديمومة، بدون حضور هذه الرمزيات المهمة.

كيف سيكون رد فعل الشاب الذي سيعرف بأن فكر ابن رشد وإنقاذه لأرسطو من الإهمال، أيقظ العقل الأوروبي ودفع به إلى الواجهة الإنسانية المنقذة من الموت؟.

و كيف سيسعد الطفل العربي المقدم على مجابهات ثقافية عالمية صعبة، عندما يستوعب جهد المعري الفلسفي، والفكري، وكيف أثر في رائد النهضة الأوروبية والشعرية دانتي أليغري، وأن العربي في نهاية المطاف، ليس زائدة دودية على وجه هذه الأرض، ولكنه تاريخ وحضارة وثقافة، لم نستفد من ثمرها بالشكل الكافي؟

وكم من واحد يقرأ اليوم صناع التاريخ العربي والإنساني القديم، بل من يقرأ نجيب محفوظ، وحنا مينا، وجمال الغيطاني، والطاهر وطار، ومحمود المسعدي، وغيرهم؟، وماذا فعلنا لهؤلاء ولغيرهم لتثبيتهم في الذاكرة الجمعية؟، وأي الأفلام والمسلسلات خصصت لإنتاج أعمالهم؟ والحديث عنهم؟

إنه، وباستثناء الجامعة والجهود الأكاديمية، في المجالات الضيقة والمتخصصة، لا جهد يبذل من أجل فعل الاستمرارية.. لا وعي بالقيمة التاريخية لهذه الشخصيات التي شيدت جزءاً من الميراث العربي والإنساني في الثقافات الغربية والعالمية.. فكيف يمكن للعربي أن يستمر في مدار محلي ودولي، يمحوه كقيمة في كل ثانية؟

صحيفة الرؤية

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu