فتحي التريكي يستعرض لـ«الاتحاد الثقافي»: فلسفة التنوع والعيش المشترك – بقلم ساسي جبيل

فتحي التريكي يستعرض لـ«الاتحاد الثقافي»: فلسفة التنوع والعيش المشترك – بقلم ساسي جبيل

في هذا الحوار الذي خص به الفيلسوف والمفكر التونسي الدكتور فتحي التريكي «الاتحاد الثقافي» يتحدث عن الفلسفة والعقل والإسلام السياسي، طارحاً جملة من الملاحظات المهمة في حقول بحثه. وكان واقع الفلسفة اليوم، بداية هذا الحوار:

* غياب الحداثة والمكوث في الماضي، كيف تقوّمون واقع الفلسفة، اليومَ، عالميّاً، وخاصة عربيّاً؟ 
** منذ أواخر القرن الماضي أخذت الفلسفة في كلّ أنحاء العالم وجهة عمليّة تطبيقيّة، دون أن تتخلّى عن دورها التنظيري. وقد بيّنتُ في بعض أعمالي أنّ الفلسفة، من حيث هي ممارسة فكرية ذات تقنيات خاصة ومآرب محددة، أصبحت في الأساس عملية توضيح ونقد وتشخيص ضرورية تهمُّ كل من يريد أن يتعامل بذكاء ونجاح مع واقعه ومجتمعه، دون أن تكون هناك حاجة لمعاداة الإيمان الشخصي للفرد، أو طريقة عيشه أو لأنماط تفكيره، لأن مبدأ الفلسفة المعاصرة هو الاعتراف الصريح بالتنوع الفكري ومحاولة التفاعل مع معطيات هذا التنوع.
نجد هذا التوجّه، على سبيل المثال، في فلسفة اللغة وفي البراغماتيّة الجديدة، كما نجده في فلسفة التنوّع والاختلاف في فرنسا، مثلاً، وفي فلسفة التأويليات والفينومونولوجيا وفلسفة الحقوق وغيرها.
ولكننا نلاحظ أنّ منزلة الفلسفة في العالم العربي ما زالت متأخّرة، وما زالت عمليات المنع والتحريم والشيْطنة تنال من إمكاناتها وتحصرها في أفضل الحالات داخل أسوار الجامعات والأكاديميات. 
إن مجتمعاتنا مأزومة، نعيش حداثة لا نمتلكها، نعيش في الآن نفسه اغتراباً لا نستطيع تجاوزه، نعيش زمنيّة المكوث في الماضي متمترسين وراء التراث. ومع ذلك لا نستطيع استعادة فكرنا وعلمنا وتنوير عقلنا.
وفي رأيي، فالفلسفة التي أصبحت ذات اتجاه تنوّعي وتطبيقي يمكنها فتح مجالات فكرنا نحو إحداثيات العصر حتّى نمتلك عصرنا ونفهم آلياته. وعندما يقترب التفكير الفلسفي المعاصر أكثر من مشاغلنا وهمومنا، وذلك بآليات الفلسفة وتقنياتها، مطيحاً بأرستقراطيتها وعزلتها، سيكون هذا التفكير مجبراً على إبراز الصبغة العملية التطبيقية للفلسفة، وسيعتبر أن مجالها الحقيقي قد تحدد الآن في النقد والعقل والتعقّل.. والرّهان الذي نشتغل عليه نحن في تونس اليوم، ضمن نشاط ثقافتنا وندافع عنه، هو إعطاء الفلسفة القدرة على الدفاع عن سيادة الفرد الحرّ ضدّ التحيُّز الجمعي، دون أن يسقط الفرد في غياهب الوحدة والتفكّك.
إنّ الدّفاع عن الحريّة وعن الحقّ في الاختلاف وعن الغيريّة، هو في النّهاية نضال من أجل أن تكون كرامة الإنسان مبدأ وأُسّاً لكلّ عيش معاً. وفي رأيي، يجب أن تكون تلك هي الغاية القصوى للفلسفة في العالم العربي إذا ما أراد اجتراح نقلة نوعيّة من استيراد الأفكار والعلوم والتكنولوجيا إلى الإبداع الحقيقي في هذه الميادين، دون التخلي طبعاً عن تقاليدنا وعن تراثنا المنير.

كرسي «اليونسكو» للفلسفة
* هل لكم أن تَبْسِطوا لنا خلاصة عن ثمار مسؤوليّتكم على كرسيّ «اليونسكو» للفلسفة في العالَم العربيّ؟ 
هذا الكرسي هو قبل كل شيء قطب امتياز للفلسفة الحية، تهتم بالشأن العام وتخضعه للتناول الفلسفي الصارم، وتقربه لفهم العامة من الناس، وهمها في ذلك خدمة الحرية والديمقراطية والسلام. وهو أيضاً فضاء التعارف واللقاءات بين مختلف الأساتذة والمهتمين بالفلسفة والباحثين والطلبة من جميع أنحاء العالم لتقاسم المعرفة.
وهو، أخيراً، مسرح التعبير الحر الذي يقبل التنوع والتعدد في المرجعيات، وفي المدارس والمذاهب، بحثاً عن التحاور خارج كل الحدود، مطالباً باسم الحق في التفلسف أن تكون مجموعة الفلاسفة في العالم متساوية في ممارسة التفكير الفلسفي.
لقد حاولنا طيلة المدّة التي نشطنا فيها (ما يقارب 22 سنة) أن نعيد تجديد منظومة المفاهيم الإجرائية على طريقتنا لفهم أنفسنا وفهم العالم، مثل الحداثة والتقليد، والهوية والحرية والديمقراطية والنقد، والثقافة والعولمة، وقد نظّمنا لقاءات عديدة حول هذه الموضوعات في تونس ومصر والجزائر وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وغيرها، وأصدرنا حولها مجموعة من الكتب بالعربية والفرنسية والألمانية والإسبانية، ونُشرت لدى دور نشر عالمية. وكذلك بادرنا بتكوين فروع في الجزائر ومصر والكويت، وفرع مصر الذي يرأسه الفيلسوف حسن حماد بجامعة الزقازيق، ينشط كثيراً.
فالفلسفة بالنسبة إلى هذا الكرسي عمليّة فكريّة توضيحيّة ونقديّة متجوّلة بين المعارف والممارسات الفنية، وفي رحلتها الدائمة عبر العلوم والمعارف مدعوّة لمعالجة هذه المهمة، مساهمة منها في النهوض بعالمنا للرفع من مستويات جودة الحياة فيه. وأنا سعيد بأنني حاولت توجيه الفكر الفلسفي نحو هذه المجالات الحياتية العامة. فمثلاً يضم المجلس العلمي 40 فيلسوفاً تونسياً، و10 من العالم العربي، و5 من العالم الغربي. كما شارك في المحاضرات والندوات أكثر من 110 فلاسفة من العالم العربي، ومن أفريقيا وأميركا وأوروبا وآسيا، وأذكر من بينهم جاك درّيدا وبول ريكور وجاك بولان (فرنسا) وسندكولهر وولف وماتياس كوفمان (ألمانيا) وسكولاسون (إيسلندا)، وغيرهم كثير.
كما أذكر أيضاً حسن حنفي ومراد وهبة وأحمد عبدالحليم عطيّة وحسن حمّاد ومحمد عثمان الخشت وأنور مغيث (مصر) وكذلك زواوي بغورة ومحمد جديدي وبنمزيان بنشرقي وعمر أزراج وأمين الزاوي (الجزائر) ومن المغرب أذكر محمد المصباحي وعلي بنمخلوف وعزالعرب لحكيم بناني، كما شارك أكثر من 90 فيلسوفاً ومفكّراً تونسياً، أذكر منهم عبدالوهاب بوحديبة ومحمد محجوب ومحمد علي الحلواني ورشيدة التريكي وفتحي المسكيني وغيرهم.
ولم أذكر قامات فلسفية أخرى لضيق الوقت. وكل هذا يدلّ على ثراء نشاط الكرسي ودوره الكبير في عودة الرّوح للفكر عامة، وللفلسفة خاصة، في عموم العالم العربي.

الفلسفة درساً تربوياً 
* يعتبر تدريس الفلسفة في تونس قديماً نسبيّاً مقارنة بتدريسها في غيرها من البلاد العربيّة، فكيف تقيّمون وضعها التّدريسيّ، في التّعليميْن الثّانويّ والجامعيّ؟ وكيف تقيّمون وضع الفلسفة بعد عقود من تعريبها؟ 
** قبل الإجابة عن سؤالكم حول تدريس الفلسفة لابد أن أوضّح أنّنا في تونس قد عرفنا الصبغة التطبيقيّة للفلسفة منذ القديم. نجد هذه الانطباقيّة في التقاليد الفكريّة التونسيّة منذ العصر القرطاجني إلى يومنا هذا، مروراً بالفترة الإسلامية. فقد ازدهرت الفلسفة الحقوقيّة والسياسيّة والدينيّة في قرطاج البونيقيّة والرومانيّة. كما ارتبطت أيضاً بالفقه والمعارف والآداب في العهد الإسلامي، كما تواجدت في المعاهد الثانويّة وأساساً في المدرسة الصادقية بتونس في أواخر القرن التاسع عشر، وفي جامعة الزيتونة منذ أوائل القرن العشرين، وفي الجامعة التونسيّة العصريّة منذ سنة 1964. وهكذا، في رأيي، لم ينقطع التيّار الفلسفي عن الثقافة التونسية إلا لفترات قليلة.
طبعاً قام الاستعمار الفرنسي بتدريسها باللغة الفرنسيّة في المعاهد العصريّة، بينما بقيت تدرّس بالعربيّة في المعاهد الزيتونية التقليدية، واستمرّت على هذه الحالة بعد الاستقلال حتى سنة 1975 عندما جاء القرار السياسي بتعريبها، وهو في الحقيقة قرار اعتباطي، كانت الغاية منه إقصاء اليسار والفكر اليساري الذي بدأ آنذاك يهيمن في الجامعات والمعاهد، ومع ذلك وافقنا على التعريب لأن الفكر لا يكون إلا بلغة الوطن. فكان على النخبة التونسيّة أن تعمل بكل جهد لإنجاح التعريب، دون إسقاطه في الإيديولوجيات والتفاهات، متسلّحين بتمكّنهم الجيّد من اللغتين العربية والفرنسية وأحياناً اللغة الإنجليزية والألمانية. وازدهرت الفلسفة المدرسيّة وتكوّنت نواة مدرسة تونسيّة نستطيع تحديد ملامحها في هذا التوجّه نحو اليومي بمناهج فلسفة التنوّع وفلسفة التأويليات والفلسفة الاجتماعيّة. وللفلسفة في تونس الآن إشعاع عالمي من خلال تواجد مفكريها في كثير من العواصم الأوروبيّة. وكذلك اهتمّت المجلات المختصّة بالفلسفة في تونس على غرار ما قامت به مجلّة «نهج ديكارت» التابعة للمعهد العالمي للفلسفة بباريس، حيث خصصت عدداً خاصاً بالتفلسف في تونس (عدد 61).

بين العلم والتقنية
* نلاحظ حضوراً، وإن تفاوت، للأنماط المعرفيّة الأخرى في المشهد الثقافي العام، تونسياً وعربيّاً، ولكن لا يبدو أنّ هناك حضوراً قوياً للفلسفة في هذا المشهد، أيكون هذا واحداً من دوافع بعث «معهد تونس للفلسفة»؟
في العالم العربي وعلى المستوى الرسمي هناك ضعف فادح في مجال الثقافة عامّة، وفي مجال الفكر والتفكير خاصّة. وتوجد مجلات ومنظمات وجمعيات أكثرها غير حكوميّة، ولكن في مستوى التربية والتعليم والتثقيف ينصب همُّ معظم السلطات بصفة عامة على التكوين في مجالات التكنولوجيا وفي العلوم التقنية ويتمّ إهمال الفكر والفلسفة.
وفي المقابل، فقوّة الغرب تكمن في مزج العلم بالنقد والفكر والفلسفة، ولذلك هم يكوّنون علماء ونحن نكوّن تقنيين! هم يفتخرون بحصاد كلّي تقريباً لجوائز نوبل، ونحن نترقب أن ينزل العِلم علينا من السماء.. والمعهد الذي تكوّن أخيراً سنة 2018، وأديره شخصيّاً، يركّز نشاطه على الثقافة الفلسفية وكيفيات تلقيها وإنتاجها، تعريفاً بالمدرسة الفلسفية التونسية وخدمة للفكر العربي العقلاني. ويهدف هذا المعهد إلى صياغة المعارف والأفكار والمفاهيم التي من شأنها تعميق الفلسفة والفكر الفلسفي في تونس والعالم العربي.
أمّا نشاط المعهد فيمكن تلخيصه في التقديم الدوري للمعرفة في شكل دروس مفتوحة للجميع، وفي شكل ندوات مسترسلة ولقاءات في ثقافة الفلسفة، تشجيعاً على التفكير والفكر بوجه عام، وعلى التأليف والترجمة والنشر والتوزيع في هذا الميدان بوجه خاص. وقد تمّ إصدار كتابين «فلاسفة قرطاج» و«فلاسفة القيروان»، كما بعث المعهد سلسلة من الكتب الصغيرة التي ستعرّف بالقضايا الفكرية الحاليّة وبالمفاهيم الفلسفية الجديدة.

من أعمال فتحي التريكي
من أعمال فتحي التريكي

الفلسفة والإسلام السياسي
* أما زال بإمكان الفلسفة أن تُطوّر فكراً يسمح بمواجهة الانغلاق والتّعصبّ المقترنين بانتشار الإسلام السّياسيّ؟ وأيّة علاقة تراها بين الفلسفة والدّين، اليوم؟ 
** نعم، كانت الفلسفة، دائماً، وما زالت، تنادي بتعقيل نمط حياتنا. وقد قدّمت شخصياً في أبحاثي طرحاً ممكناً لتوظيف الفكر الفلسفي المعاصر في مجتمعاتنا. وقناعتي أن هذا التوظيف يكمن في تهيئة الأسباب والشروط للعيش المشترك في كنف الكرامة. وهي فلسفة جديدة قمت شخصياً بتطويرها في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، عندما افتتحت منبر «اليونسكو» للفلسفة بجامعة تونس بمعية الفيلسوف الفرنسي المشهور جاك دريدا. فاعتمدت على فلاسفة الإسلام، كالفارابي ومسكويه وأبي حيان التوحيدي، لأدافع عن فلسفة التآنس.
ومفهوم التآنس يفيد نوعاً من العيش المشترك ضمن التآلف والانسجام، والذي لا يعبر فقط عن عدالة مصحوبة بالحكمة والحب ولكن وأيضاً بالوفاق الممكن بين الأفراد والدول حسب قاعدة العقل والتعقّل. فهو يعبّر عن إنسانية قوامها حق التنوع والاحترام والمحبة. ولهذا فإن التعايش عبر هذه القيم ومن خلال تطوير مشاعر حب الإنسانية، يهدف في واقع أمره إلى مواجهات عديدة، من بينها مواجهة الجهل والفقر والتخلف العلمي والحضاري ومواجهة التعصّب والتطرّف ليس في الإسلام السياسي فقط، بل أيضاً في كلّ مجالات العقيدة والفكر والممارسات الثقافية والاجتماعيّة.
وقد تفتح هذه الفلسفة المفتوحة الجديدة فضاء ممكناً فكرياً وأخلاقياً لإنقاذ الإنسان من مصائب القرن الجديد الموسوم منذ بداياته بـ«وحشية العنف». وبذلك تحتفظ الفلسفة بوظائفها الأساسية المعاصرة وأعني «التحديد والتوضيح والنقد والتشخيص والتنظير»، فهي تتدخّل في المعارف والممارسات الفنية وفي العلوم لا لتعوّضها وتحلّ محلّها، بل للقيام بوظائفها المذكورة وديدنها احترام الدين والعلم والفن وكلّ التعابير الإنسانية. 
والحال أن إشكاليّة الفلسفة ضدّ الدين، التي ظهرت في الغرب أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قد تجاوزها الزمن، وأكل عليها الدهر وشرب. فالنقد الفلسفي لم يعد يتّجه إلى الدين من حيث هو دين، بل إلى الخطابات غير المنطقيّة التي تصاحب الدين أحياناً لتشويهه أو لتحويل اتجاهاته أو لتغطية حقائقه. واحترام الأديان والمعتقدات هو من مشمولات العيش المشترك في كنف الكرامة الإنسانية.

فتحي التريكي.. المفكر والأعمال
الدكتور فتحي التريكي مفكر وفيلسوف تونسي حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس، وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ويعمل أستاذ كرسي «اليونسكو» للفلسفة بجامعة تونس. وقد ساهم صحبة الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية، واقترح أيضاً فكرة تقاسم الكونية. وشغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996 وعُين على رأس كرسي «اليونسكو» للفلسفة بالوطن العربي في 1997. ثم عمل أستاذاًً زائراً بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999 وجامعة «باريس 8» في فترات متباعدة زمنياً سنتي 2000 و2007. وألف 28 كتاباًً، من أبرزها: 
• أفلاطون والديالكتيكية، عام 1986. 
• الفلاسفة والحرب (بالفرنسية) 1985. 
• قراءات في فلسفة التنوع 1988. 
• الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية 1991.
• الفلسفة الشريدة 1988.
• فلسفة الحداثة 1992. 
• مقاربات حول تاريخ العلوم العربية 1996. 
• استراتيجية الهوية 1997. 
• فلسفة العيش سوياً 1998. 
• العقل والحرية 1998. 
•الذاكرة والمصير 2020.

جريدة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •