علي جعفر العلاق: النهوض بالنقد ضرورة حضارية

علي جعفر العلاق: النهوض بالنقد ضرورة حضارية

فاز بجائزة العويس في الشعر

الشاعر والناقد الدكتور علي جعفر العلاق قامة أدبية رفيعة، لها مكانتها المرموقة على الساحة الثقافية العربية، فرض حضوره؛ عبر نتاجه الغزير على صعيدي الشعر والنقد، ومؤخراً فاز بجائزة العويس الثقافية عن مجال الشعر.
أكد العلاق أن الجائزة لها منزلة كبيرة في الأدب العربي عامة، وفي الشعر بشكل خاص؛ لما عرف عنها من نزاهة وموضوعية، ومصداقية كبيرة، مبيناً أن العمل الشعري في النص الحديث يتولد عن تفاعل جملة من العناصر والمحفزات: ثقافة، وعي، تجربة، اختمار، وجهد مدروس، وتماس حار مع الحياة بكل تحولاتها، وأن النهوض بالنقد العربي ضرورة حضارية وثقافية، مشيداً في الحركة الأدبية النشيطة في الإمارات، وبالأسماء الشعرية والروائية المتميزة فيها.
كيف تلقيت خبر الفوز بجائزة العويس الثقافية؟ وماذا يعني لكم ذلك؟

– كان خبر الفوز دفقة من الفرح المفاجئ، انفعالات شتى، امتزج فيها الفرح بالدهشة، وبالتوقع المشوب بالظن، والظن المضاء بفرح وشيك، وكان الصديق الشاعر عبدالرزاق الربيعي، أول من حمل إليَّ هذه المفاجأة البهيجة، وأبلغني الخبر والتهنئة بفرحه الطفوليّ المعهود.
لهذه الجائزة المرموقة منزلتها الكبيرة في الأدب العربي عامة، وفي الشعر بشكل خاص؛ لما عرف عنها من نزاهة وموضوعية، فهي تعتمد في عملها تقاليد واضحة في الاختيار والغربلة والموازنة، على نخبة من خيرة النقاد والأكاديميين العرب؛ لذلك فإن لهذه الجائزة مصداقية كبيرة.
من ناحية أخرى، ومن زاوية مهمة، كان فرحي كبيراً بتلك الإشارة النابهة في قرار المحكمين، لقد أشاروا إلى ميزة شعرية ودلالية طالما عملت على ترسيخها في منجزي الشعري: الدهشة وسعة الخيال وكرامة البشر، ويمثل ذلك خاصية في كل شعر حقيقي، ولا بد من القول إن هذا الفوز بالنسبة لي، يعد مكافئاً للكد، والعذاب البهيج؛ من أجل الجمال والحقيقة.
لك العديد من الإصدارات، ما العمل الذي أحدث نقلة نوعية في مسيرتك؟
– لكل شاعر أو روائيّ تموّجاته الشعرية أوالسردية، التي تتمثل في دواوينه أو رواياته وتسجل تحولاته واهتماماته، ومظاهر نضجه الفني والفكري، ويصدق الأمر بنفس الدرجة، على ما يصدره الناقد من منجزات نقدية، تمثل سجلاً لتطوره المنهجي والإجرائي في هذا المجال، وبذلك يمكن القول إن لكل كتاب فضيلته ومميزاته التي تمنحه شخصيته الخاصة.
صدر لي أكثر من ثلاثين كتاباً: ثلاث عشرة مجموعة شعرية، وأحد عشر كتاباً في النقد والنثر الأدبي، إضافة إلى ما يزيد على عشرة كتب نقدية وأكاديمية مشتركة.
آخر كتاب نقدي أصدرته كان بعنوان: «المعنى المراوغ»، وهي قراءات في شعرية النصّ لأسماء بارزة في الشعر العراقي والعربي: جبرا إبراهيم جبرا، بدر شاكر السيّاب، سركون بولص، محمد عفيفي مطر، أمجد ناصر، الجواهري، والبردوني، أما في الشعر، فقد صدر لي في العام الماضي، مجموعتي الشعرية بعنوان: «طائرٌ يتعثّرُ بالضوء».

مقولة ملتبسة

ما مصدر الإلهام في شعر الدكتور العلاق ؟
– ربما لا أطمئن كثيراً إلى مقولة الإلهام، فهي مقولة ملتبسة إلى حدّ ما، مثلها مثل مقولتَي الطبع والصنعة، فليس هناك قصيدة يتحكم بها الطبع أوالتلقائية تماماً، وقصيدة كهذه مشكوك بقيمتها، كما أن أدوات النجارة بعبارة الراحل الكبير خالد علي مصطفى، أومهارات الصنعة لا تنتج عنها إلا قصيدة هزيلة لا ماء فيها ولا حياة.
وفي النص الحديث، يتولد العمل الشعري عن تفاعل جملة من العناصر والمحفزات: ثقافة، وعي، تجربة، اختمار، وجهد مدروس، وتماس حار مع الحياة بكل تحولاتها.
ماذا يحتاج الشاعر كي يكون مميزاً ومتألقاً؟
– لا بد للشاعر أن يؤمن بعمق راسخ أن الشعر موهبة، وعمل شاق، وحرمان عظيم، وسعي إلى المبتكر والباعث على الدهشة، وأنه ثقافة، ووعي بالكتابة، ونبل في النفس، والشعر، أولاً وأخيراً، نفور من الشائع والمقدور عليه من الكلام.
العمل بالنقد وكتابة الشعر معاً، مهارة تحتاج إلى الموازنة بين الطرفين كيف استطعت تحقيق ذلك؟
– كنت ومنذ البدء، تحضر في ذاكرتي النهايات غير السارة للكثير من الذين بدأوا بالشعر، وانتهوا بالنقد يتمتعون برصانة أكاديمية ونقدية واضحة؛ لكن ما كتبوه من شعر، بعد ذلك، لا يتوفر على الحد الأدنى من النضج الفني أو الجمالي.
هذه الحقيقة المرعبة، جعلتني متيقظاً بشكل دائم، إلى الحدود الفاصلة بين الموهبة الشعرية والممارسة النقدية، وإلى ضرورة إدراك هذه الحدود بين هاتين الملكتين، وتوفير ما ينعش كل واحدة منهما، باعتبار أن الشعر شهادة جمالية ولغوية على العالم، بينما النقد تفكيك لهذه الشهادة وتحليل لما تنطوي عليه من دلالات ورؤى وإيحاءات بعيدة.
كيف يمكن النهوض بالحركة النقدية عربياً؟
– النهوض بالنقد ليس مطلباً نقابياً ضيقاً؛ بل هو ضرورة حضارية وثقافية، لا يمهد لها الطريق إلا العقول الطليعية التي تتفاعل وتنفعل مع الراهن النقدي في العالم، وتستوعب ما أبدعته مواهب الأسلاف، هذا أولاً، وبما تقدمه، ثانياً، من تراكم الخبرة، على المستويين النظري والتطبيقي، الذي ينتهي إلى محصلة نوعية تتمثل في بلورة المقاربات وتحليل البنى الجمالية والدلالية.
ماذا تقول لمن يريد أن يتجه للنقد من الشباب وبماذا تنصحه ؟
– على الناقد الشاب أن ينطلق من مسلمة أولى، وهي أن النقد نشاط حضاري نوعي، وسلوك أخلاقي رفيع، وهو صنو الإبداع وشعبة منه؛ بل هو موهبة لا يتمتع بها إلاّ ذو حظ عظيم؛ لذلك لا يتساوى حتى نقاد المدرسة النقدية الواحدة فيما يكتبون؛ بل لكل منهم لغته وألمعيته، وقدرته على التقاط حركة المعنى، وشرارة الجمال، في النص الذي يتعامل معه.
أنجزت حول تجربتك عدة كتب ودراسات ما أهمها برأيك؟ ولماذا ؟
– كتبت عن تجربتي أكثر من عشرة كتب نقدية، إضافة إلى أكثر من اثنتي عشرة رسالة وأطروحة جامعية، في العراق، ومصر، وفلسطين، والأردن، ولكل باحث مساحة مخصوصة أو زاوية محددة للنظر في تجربتي: البنية الإيقاعية، جمالية البحور المركبة، بناء الصورة، بلاغة الإيجاز، البنية الأسلوبية، الظاهرة الدرامية، توظيف التراث، الممارسة النقدية، حضور المدينة.
وهكذا لا يغني بحث عن بحث، ولا كتاب عن كتاب، والمفاضلة لا تصح، عادة، إلا بين جهود تتقارب في المنهج، أو زاوية النظر، أو الهدف المطلوب.

حركة أدبية نشطة

في الإمارات حركة أدبية نشيطة، وهناك أسماء شعرية وروائية كثيرة وبعضها مميز إلى حد كبير، إن ما كتبه ويكتبه شعراء وشاعرات مثل الراحل حبيب الصايغ، وميسون صقر، وظبية خميس، وخلود المعلا، وخالد البدر، وكريم معتوق، وإبراهيم محمد إبراهيم، ونجوم الغانم، يضع الكثيرين منهم في خط شعري متقدم في مشهدنا الشعري العربي، كما أن السرد يحظى ببعض الأسماء المميزة من أعمار مختلفة، علي أبو الريش، محمد المر، سعاد العريمي، سلمى مطر، سلطان العميمي، مريم الغفلي، فاطمة الكعبي، فتحية النمر، فاطمة المزروعي، وغيرهم.

جريدة الخليج

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu