من لا يتذكّر لاَ كَازا دِلْ مُرادِية؟ – بقلم د. واسيني الاعرج

واسيني الاعرج

من لا يتذكر الأغنية الشبابية التي كانت تغنى في الملاعب الكروية، قبل أن تتحول إلى نشيد للحراك؟ لاكازا دِلْ المرادية La Casa del-Mouradia (بيت المرادية)، أي المقر الرئاسي، بموسيقاها الحزينة التي اعتمدت ايقاعاً نوستالجياً هادئاً، وكلمات مأساوية.

يتساءل المرء، وهو يتأمل نص ولحن هذه الأغنية التي تجاوب معها الملايين، كم أن مثقف العالم الثالث والعالم العربي تحديداً، يعيش ازدواجية غريبة، بين ما يريده أن يكون قريباً من الشعب، وبين نفوره من ثقافته التي يعتبرها بدائية، متخلفة، لا يقترب منها لفهم جوهرها، وربما فهم مكونات هذا الشعب والدخول في مناخه وانشغالاته، ويقترح بدلها نصوصاً لا تتخطى عتبات الصالات التي تحتضنها في شكل أمسيات أدبية.

أغاني الملاعب، الحرة والجريئة، ليست بالنسبة له إلا ثقافة من درجة ثانية، مثل كل الثقافات الشعبية، مع أن أغاني الملاعب تغيرت جوهرياً في الـ20 سنة الأخيرة، من الأغاني البسيطة والعفوية التشجيعية للفريق الوطني، التي تدفع باللاعبين إلى تحقيق الاستثناء، إلى الأغاني التي حولت الملاعب إلى منابر للاحتجاج ومقاومة الظلم، المسافة الفاصلة كبيرة، بين «جيبوها يا الأولاد» الجميلة، التي تناصر اللاعبين في مغامرة كأس العالم، ولا كازا دِلْ المرادية التي تقوم بتحليل صارم ونقدي لحالة وضع البلاد، منذ مرض الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة، واستيلاء العصابة على الحكم.

تقول كلماتها: ساعات الفجر، ولم يأتني النوم، استهلك (المخدرات) لحظة لحظة، من المتسبب، ومن نلوم على هذه الحياة المهينة؟ الأولى (العهدة الرئاسية) قلنا مضت، تحايلوا علينا بالعشرية (العشرية السوداء الإرهابية)، والثانية اللعبة ظهرت: لاكازا دال المرادية، الثالثة البلاد ضعفت بالمصالح الشخصية، والرابعة الدمية ماتت (مرض الرئيس)، وما تزال اللعبة مستمرة، والخامسة قادمة.. لقد اتسعت الهوة، وتحول الشباب أنفسهم من ترديد السائد حيث كرة القدم مجرد مخدّر، إلى مساحة من الحرية للتعبير عن حالة غضب.

أغاني الملاعب، في السنوات الأخيرة، أصبحت سياسية بامتياز، فقد نشأت في عمق الأزمة التي كان ضحيتها ووقودها الشباب، وجدوا في الملاعب الواسعة، أكبر فرصهم لقول آلامهم الكثيرة، التي تكبر يومياً وتتسع بلا أي حل في الأفق، في الداخل فرحة الملاعب وأهازيج المناصرين، وأناشيدهم القاسية، وانتصاراتهم وهزائمهم الكروية والحياتية، وفي الخارج حربهم ضد الشرطة التي تنتظرهم لتشتيتهم وتفريقهم، قبل أن يتجمعوا بسياراتهم في ساحتي موريس أودان والبريد المركزي في العاصمة الجزائرية، مرددين أغاني الملاعب النقدية، ومخترقين قانون منع التجمع والتظاهر.

وفي الأخير، تتفكك التجمعات من تلقاء نفسها ويعود كل شاب إلى واقعه المر: البطالة، المخدرات، السكن، والتفكير في الحرقة، والهرب عبر العبارات باتجاه إسبانيا، عندما اندلع الحراك بشكل منظم، تحولت لاكازا دِلْ المرادية بسرعة، إلى النشيد الرسمي له، نشيد شعبي بلغة عارية، صوت شباب حي، سرقت منه الحياة والحرية، يرفض الموت، وجد حريته التعبيرية في مدرجات الملاعب الغاصة بعشرات الآلاف من الشباب.

صحيفة الرؤية

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •