رياض الريس المنحاز للماضى والمستقبل معًا – بقلم سيد محمود

سيد أحمد

كنت أتمنى لو قرأت نعيا من اتحاد الناشر المصريين للناشر اللبنانى رياض نجيب الريس الذى رحل هذا الأسبوع
مخلفا إرثا مهنيا مهيبا يندر أن يتكرر.
والمؤكد ان علات كثيرة أصابت الريس وغيبت صورته فى السنوات الاخيرة وكان أصعبها علة سوريا وآخرها علة لبنان الذى تابع انهياره وهو الذى احب بيروت وارتبط بها واختارها منطلقا لمشروعه.
والريس هو الصحفى الذى ورث مهنته عن اب كان شغوفا بالحرية فى سياق يعاديها فى المجمل وظل الاب اسعد حظا من الابن لأنه بدأ مهنته بتأسيس صحيفة اسمها القبس، كانت الحرية هى قضيتها الاولى وهدفها التحرر الوطنى وحين تحقق هذا الحلم اطاح بما اراده الابن، حيث الامل فى مناخ ديمواقراطى يلائم ثقافته الانجلو سكسونية التى نماها بالتعليم الذى تلقاه.
وعاش الرجل ومات فى صورة لورد انجليزى يخسر رهاناته على طاولة قمار لكنه يعيد اللعب كل ليلة بأمل ان تأتى ضربة الحظ وترمم تاريخه، فقد بدأ شابا يحلم بسوريا أخرى غير التى ودعها، بل ان حماسه للتغيير السياسى الذى اوشكت دمشق ان تصل اليه لحظة صعود الثورة لم يكن عنده الا فرصة لاستعادة حلم لازمه وقاده إلى لبنان وقت ان كانت تؤسس فى نهاية الخمسينيات ليوتوبيا المدينة المثقفة بتعبير الناقدة خالدة سعيد فقد جاءها فى الوقت المناسب تماما وانتمى إلى «مجلة شعر» التى قادت لواء الحداثة الشعرية ورافق صعود ادونيس ومحمد الماغوط وشوقى ابى شقرا ويوسف الخال وانسى الحاج لكنه سرعان ما سافر مع تراجع طموح المجلة وانكفائها وتخلى عن طموح الشاعر، لكنه لم يستغن ابدا عن جموحه فى الانتماء إلى ابناء الخيال.
ذهب إلى لندن واراد ان يكون صحفيا يرهن تجاربه كلها بالمناطق الملتهبة من العالم، كتب عن المدن التى ارتبطت احداثياتها واحداثها بفكرة التغيير وبقى ثوريا إلى النهاية، قطع العالم شرقا وغربا بروح صحفى (المسافات الطويلة) كما سمى نفسه فى السردية الجميلة التى كتبتها الصديقة سعاد جروس بينما سمى نفسه فى السيرة التى كتبها (آخر الخوارج).
واذا كان ادوارد سعيد قد رأى نفسه عبر سيرته كرجل ( خارج المكان ) نتيجة ظروف قسرية لم يخترها، فإن الريس أراد ان يبقى تحت لافتة «اللا منتمى» التى احبها.
كان ضد الإجماع المجانى، وتعلم ان الانتماء لكتلة ترفع الشعارات هو موقف فاشى عليه ان يكون على يساره
وفى الدور الذى اداه سعى إلى ان يأخذ قارئه لفضاءات شبه مجهولة ونزع عن منطقة الخليج ما احاط بها من نزعات استشراقية ورطتنا فى التعميم والتنميط وأعاد تقديم العروبة خارج الشعارات واحب دوما صحافة الكواليس ولم يكن طرفا فى صفقات كما لم يضع نفسه على مقعد كبير الطهاة فى أى مطبخ سياسى.
امتلك معرفة مباشرة بأسماء وعاصر أحداثا وامتلك الخبرة التى جعلت مؤلفاته تأتى من عين اخرى ترى ما تم حجبه فلم تكن مهمته تغطية الاخبار بل كشفها.
وآملا فى الكشف عن المسكوت عنه اسس فى ثمانينيات القرن الماضى دار نشر حملت اسمه كاملا وكانت هذه عادة استنها قبله نزار قبانى ولم يكن هذا الاسم قرارا نرجسيا وإنما جاء رغبة فى تكريم الاب وانصافه من ناحية ومن ناحية أخرى لعبت الدار دورا فى الكشف عن تراث عربى شبه مجهول، رأت ان انظمة وعقولا عربية اصرت على تغييبه وحرمان اجيال كاملة من الاطلاع عليه بزعم انه تراث يدعو للخجل وربط الريس بحرفيه بالغة بين هذا الارث الملغوم والحاضر المأزوم واختار للمجلة التى اسسها تحت اسم الناقد ان تستانف طموح مجلة شعر فى البحث عن الحداثة المغايرة ونجحت فى عصر المجلات الكبيرة واوجدت لنفسها دورا إلى جوار مجلات مثل الاداب ومواقف ومن خلالها ايضا اطلق جائزة مهمة للشعر قدمت اصواتا كانت شابة وجريئة فى طموحها الشعرى مثل يحيى جابر من لبنان وحسين درويش من سوريا ومحمد متولى من مصر.
وعبر منشوراته ادى دورا مكملا للدور الذى اراده التراث الملغوم واكتشفنا معه اعمال المفكر الليبى الصادق النيهوم والمفكر اللبنانى الكبير فواز طرابلسى الذى فتح الباب امام كتابة تاريخية جديدة تنهض على السرد ولا تخجل من التركيب وتزكية عمل المخيلة.
وفى المرثيات التى تواصلت لوداع الريس استقرت قيمة مهمة وهى اخلاقياته كناشر فلم نقرا ابدا انه تهرب من الرد على كاتب شاب أو تلكأ فى دفع حقوق وتسوية ما عليه من التزامات ولم يفرق فى ذلك بين كاتب كان يبدأ مثل الروائى العراقى على بدر أو شاعر له نجومية محمود درويش فقد تصرف معهما انطلاقا من المسئولية الاخلاقية للمثقف وهى مسؤلية يندر ان تجدها الان وهذه مسألة اخرى تجعل من غياب رياض الريس موقف احتجاجى ومواجهة صامتة مع التردى المحيط.

صحيفة الشروق