الإقصاء والعزل.. الادعاء والوصاية – بقلم د. عبد العزيز المسلم

عبد العزيز

كل جيل يأتي يريد أن يُقصي الجيل الذي سبقه، ولا أعني هنا الإقصاء الاجتماعي بل الفكري، وهذه ليست حكاية جديدة، لكنها حكاية متكررة في كل زمان وكل مكان، خصوصاً المجتمعات المدنية الجديدة، فالمجتمعات التقليدية والمدن الصغيرة والقرى لا تزال ماضية بالوصاية الأبوية، في كل شيء حتى الفكر.

عندما جاء شعراء التفعيلة أو الشعر الحر حاولوا إبراز فنهم على حساب شعراء الأصل (الشعر العمودي)، ثم ما لبثوا أن امتزجوا بشكل تناغمي جميل، فكثير من شعراء الشعر العمودي كتبوا الحر، وكثير من شعراء التفعيلة كتبوا القصيدة العمودية.

لكن عندما جاء شعراء الحداثة حاولوا جاهدين إقصاء جميع التيارات، والبقاء وحيدين في الساحة الأدبية، بل حاولوا وتمكنوا ـ في بعض البلدان العربية ـ من السيطرة على بعض المنابر الأدبية، ثم من خلال تلك المنابر بدأوا عزل التيارات الأخرى.

وكذلك حال الفن التشكيلي، كل مدرسة تأتي تُقصي المدرسة التي سبقتها، لكن هجمة الحداثة على الفن وما اصطلح على تسميته بالفن المفاهيمي، لم يقبل أصحابه إقصاء الفنون الأخرى، بل قرروا عزل الفنون الأخرى، من خلال سيطرتهم على إدارات المتاحف الفنية والصالات والمعارض.

خلال الـ25 سنة الماضية، تمكنت من زيارة عدد كبير من المتاحف الفنية وصالات العرض وما شابهها، ووجدت أن غالبية من يسيطرون على تلك الأماكن هم من أتباع الفن المفاهيمي، أو كما يقولون فن ما بعد الحداثة.

القضية ليست مصطلحات، أو فناناً يريد أن ينطلق بنظرية جديدة، ويخرج من عباءة الفن التقليدي ومدارس الفن المختلفة، لو كان كذلك لقلنا هذا طريقه، وليختر ما يشاء لأنه فنان حر، لكن المعضلة أن هذه الفئة تخطط وتنفذ خططها للسيطرة على الواقع الفني بكل إمكاناته، وتُقصي باقي الفنون التشكيلية باعتبارها مدارس قديمة عفا عليها الزمن، إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لعزل الفنانين والمريدين لذلك الفن.

نحن بالطبع لسنا أوصياء على أي تيار فكري أو أدبي أو فني، لكننا أيضاً لا نقبل بوصاية أحد، ويجب الحذر كل الحذر من بعض الادعاءات وبعض المدّعين.

صحيفة الرؤية

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •