الذات القارئة – بقلم حارب الظاهري

63DA8D6C-1F65-4835-AEF7-C02E4EF11631

لا تنكفئ الذات القارئة، إلا على ذاتها، ولا تعبأ إلا بعدد الكتب التي تنجزها في مشروعها القرائي الفطن، وبغية المثاقفة والتثقيف الذاتي، تبدأ حياة القارئ بمصاحبة الكتب، عبر ما يشغله، وما يراوده نحو التمازج بأصول التشكل القرائي، الذي تتسع دائرته يوماً بعد آخر، فلا يسقط القارئ الحق من ذهنه، الوقت الذي يخصصه لهذا اللقاء مع الكتاب، وما يحتويه من بناء ذاتي، هي عادة جميلة حين تتجلى الرؤى في كيانات تصقلها القراءة، وتفيض بها كالحلم، فمنذ يتسلل الكتاب في الروح، تبدأ حالة من الإيمان بالقراءة، والإصرار الذي لا يقبل التباعد أو التفريط فيها.
لا تقبل الذات القارئة أن تخرج من محيطها، مهما اشتد الوقت وعصف بها، مهما تحجرها الأيام، فهي تعتبر القراءة منفذاً، والكتاب فضاءً جميلاً، تود أن تستلهم من الوقت ما يكسبها فصولاً من القراءة، بعكس الكتابة التي تحتاج دائماً إلى حرية وفضاء نفسي، تشعر به الذات الكاتبة، من أجل أن تمتد خيوط الكتابة، وتلامس شغاف النفس، أن تقرأ يعني أن تحاور الكتاب، يعني أن يصحبك الكاتب إلى عالمه، إلى إبداعاته التي تتفجر بالرؤى، حتى أحياناً تتحول العلاقة بالكتاب، إلى علاقة بالكاتب، الذي ربما لا تلتقيه، لكن تشعر بوجوده في حياتك.
لذا تلجأ بعض المكتبات العالمية إلى تمرير لقاءات ما بين الكاتب والقارئ، خاصة فيما يخص الإصدارات الحديثة، فالحوارات ما بين القارئ والكاتب ليست عملاً مفعماً بالرومانسية التعبيرية، وهذا ما يجعل القارئ يبحث عن حياة الكاتب، كيف بدأت وكيف انتهت، ولربما يلامس القارئ حياة الكاتب وحالاته الغرائبية، والمآسي التي تشتد وتضمر للكاتب، فمن أجل أن يفرز أعمالاً أدبية مهمة، لابد أن يمر بهذه التجارب الحياتية المختلفة، وبها تجدد الأعمال الأدبية.
الذات القارئة أيضاً عالم لا يستهان به، تجد القارئ يقرأ ويحلل، ويتصدى لكثير من التساؤلات القيمة، والقراءة أيضاً إبداع يتزامن مع الإبداع الآخر، ولا يكتفي القارئ الحق بالقراءة الانطباعية، والتي يقع فيها كثير من القراء، فمن الخطأ أن تحلل كتاباً قراءته قائمة على الانطباعات والتأويل، أو آخذاً أفكاراً مسبقة سوى عن الكتاب أو عن الكاتب.
فأمام هذه الذات القارئة بحق، يقف الإنسان إجلالاً وإعزازاً، ويستمتع بحديثها، وهي تسرد الأعمال الأدبية عن عمق ودراية، وتحليل نابع من الرؤية، ومن نفس عالية، تكوّنت من القراءات المختلفة، وتعرف مكوناتها الحديثة والنيرة، وتقتبس من الماضي سحر الإبداع.. إنها الذات القارئة التي يحترمها الكاتب، وتبقى رؤاها في الذاكرة.

صحيفة الاتحاد

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •