إنْ كان للريحِ ظِلٌّ – بقلم علي عبيد الهاملي

علي-عبيد-الهاملي-1

«لا شيء قادراً على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول، الذي يمس قلبه حقاً، إذ إن صدى الكلمات، التي نظن بأننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيّد في ذاكرتنا منزلاً، سنعود إليه عاجلاً أم آجلاً. لا يهم حشد الكتب الأخرى، التي سوف نقرأها، ولا عدد العوالم التي سوف نكتشفها، ولا حتى مقدار الأمور، التي سوف نتعلمها ثم ننساها».

قال ذلك ذات يوم أحد زبائن مقبرة الكتب المنسية، التي زارها دانيال سيمبيري، بطل رواية «ظل الريح» للروائي الإسباني كارلوس زافون، الذي غيبه الموت يوم الخميس الماضي. يومها قال والد دانيال، الذي أخذ ابنه لزيارة مقبرة الكتب المقدسة: «هذا المكان سر يا دانيال، إنه معبد، حرم خفيّ.

كل كتاب أو مجلد هنا، تعيش فيه روح ما؛ روح من ألفه، وأرواح من قرأوه، وأرواح من عاشوا وحلموا بفضله». يومها اختار دانيال كتاب «ظل الريح»، الذي كاد يجزم أنه ينتظره منذ أعوام، وأغلب الظن من قبل أن يولد، وتبناه مثلما جرت العادة، كما أخبره والده قائلاً: «إن من يأتي إلى هنا للمرة الأولى عليه أن يختار كتاباً ويتبناه، ويجتهد في الحفاظ عليه دائماً فيبقى حياً».

قدرة الكتاب الأول على التأثير فينا، ومرافقة صدى الكلمات الأولى لنا طوال الحياة، ما هي إلا جزء من منظومة الدهشة، التي نشعر بها تجاه سحر البدايات، الذي لا يشبهه سحر آخر في حياتنا، وكلما أوغلنا في الحياة خبا ضوء النسخ الأخرى من الأحداث، التي تتكرر في حياتنا، وخفت صوت الكلمات الأخرى، التي تتكرر إزاء ذلك الصدى الذي يأتينا من الكلمات الأولى، التي نظن أننا نسيناها، كما يقول لنا كارلوس زافون على لسان أحد أبطال رواية «ظل الريح»، التي يقوم دانيال بإعادتها إلى مقبرة الكتب المنسية، خشية أن تصل إليها يد لايين كوبرت، الذي يبحث عن كتب خوليان كاراكس كي يحرقها.

فكرة حرق الكتب والمكتبات ليست جديدة، ولا هي طارئة على البشر، فتاريخ تدمير المكتبات معروف ومدون، حتى إن الكاتب الفرنسي «لوسيان بولاسترون» ألف كتاباً سمّاه «كتب تحترق..»، صدرت الطبعة العربية الأولى منه عام 2010.

في هذا الكتاب يذكر بولاسترون أن هولاكو كان يعلم أن الحشاشين ليسوا بحاجة إلى كتلة الحشيش لكي يقتلوا، والواقع أن هذه الإشاعة ابتدأت تتشكل عنهم، وتنتشر مع الرحالة ماركو بولو، الذي زار المنطقة عام 1273، ثم وصلت هذه الإشاعة إلى ذروتها مع صدور رواية فلاديمير بارتول «آلموت» عام 1938، ذلك لأن السم القاتل الذي يوجد في فصاحة المثقفين منهم أكثر بكثير من الحشيش نفسه، وهي فصاحة تغذيها قراءاتهم ومطالعاتهم العديدة. كان حفيد جنكيزخان يعرف ذلك جيداً، ولهذا السبب حرص، مثل جده الأكبر، على حرق كل المكتبات، التي وجدها في طريقه.

هذا ما فعله في سمرقند، وبخارى، وبلخ، وهيرات، وخوارزم. في كل مرة كان يجتاح المدن، وينهب ويسلب، ولا ينسى أن يحرق الكتب حيثما وجدت. كانت توجد في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي 36 مكتبة في العاصمة العباسية بغداد، وكانت أشهرها مكتبة المدرسة، التي أسسها الخليفة المستنصر عام 1233، وحمل إليها 160 عتالاً 80 ألف كتاب.

لقد كانت رائعة إلى درجة أن المفسر القلقشندي وضعها في أعلى لائحته، التي صنف فيها المكتبات الكبرى، لكن القدر كان لها بالمرصاد، فقد هجمت عليها عصابات هولاكو واستباحتها، تماماً مثلما استباحت قصر الخليفة، وقتلته مع كامل أسرته.

عندما توفي كارلوس زافون الأسبوع الماضي، عن 55 عاماً، كانت رواية «ظل الريح»، التي تمثل الجزء الأول من رباعية «مقبرة الكتب المقدسة» قد باعت ملايين النسخ في أنحاء العالم، وكانت أعماله قد نشرت في أكثر من 45 دولة، وتُرجِمت إلى أكثر من 40 لغة، هذا يعني أن زافون، رغم موته، سيبقى خالداً في صفحات رواياته، تماماً مثلما عبر عن ذلك حين قال: إن «الروائي يعيش في صفحات روايته، وحينما يموت هذا الروائي فإن الجسد الذي يرقد في الحفرة هو جزء منه فقط، لكن روحه تظل تسكن الحكايات التي قصها، فإذا ما فكر أحد في إيذائه فلا بد أن يمحو تلك القصص وشخصياتها أيضاً».

إن كان للريح ظِلٌّ، كما يجب أن نتوقع من اسم رواية زافون الشهيرة، فهو شخوص أولئك الذين تزخر بهم روايات الكُتّاب كي تظل مقيمة بيننا، بعد أن يواري أجسادهم الثرى.

جريدة البيان

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •