حكايات من المستقبل – بقلم علي عبيد الهاملي

علي-عبيد-الهاملي-1

أوى الصغير إلى سريره، واستعد الجد كي يروي لحفيده حكاية ما قبل النوم التي تعود أن يرويها له كل ليلة تقريباً. قال الجد: سوف أروي لك اليوم حكاية جديدة. تثاءب الصغير وقال لجده: لا أريد حكاية جديدة يا جدي، أريد حكاية «سنة كورونا». قال الجد: لقد قصصت عليك هذه الحكاية أكثر من مرة يا صغيري العزيز. قال الحفيد: ولكنني أحب سماعها مرة أخرى يا جدي العزيز. استسلم الجد لرغبة الصغير، وبدأ يروي له الحكاية من جديد. قال الجد: كانت الحياة يا بني تمضي بشكل لا ينبئ بأن شيئاً خطيراً سيحدث. كان بعض الناس يعيشون حياتهم في جزء من الكرة الأرضية أفضل ما يكون العيش، وكان بعض الناس في جزء آخر منها يعيشون حياتهم أسوأ ما يكون العيش، وكان أناس آخرون يعيشونها في اقتتال وحروب ومعارك لا تنتهي.

ظن الذين يعيشون في رغد من العيش أن الحياة قد استكانت لهم، وأن لا شيء يستطيع أن يحول دون تمتعهم بمباهجها، ولكنهم وهم يفعلون ذلك مضوا يدمرون كل ما حولهم؛ أفسدوا الهواء الذي يتنفسونه بدخان المصانع وعوادم السيارات وغيرها، وثقبوا طبقة الأوزون التي تحمي أشكال الحياة على كوكب الأرض بالغازات التي تنبعث من الأجهزة التي يستخدمونها، وبلغوا من الغلوّ أن بدأوا يعملون على استنساخ بشر مثلهم، واعتقد بعضهم أنه يمكن أن يعود إلى الحياة بعد الموت بفضل العلوم التي كانت تتقدم بشكل مذهل، وفكر بعضهم في إبادة جزء من البشر كي يقللوا من عدد ساكني الأرض، وصنّع بعضهم جراثيم وفيروسات كي يقضي على من يعتقد أنهم زائدون على العدد المطلوب.

حدث هذا في جزء من الكرة الأرضية ظن أهله أنهم صفوة البشر، وفي أجزاء أخرى عاش بعض ساكني الكرة الأرضية تحت خط الفقر؛ لم يعرفوا رفاهية العيش التي كان ينعم بها المحظوظون على الجانب الآخر منها، غرقوا في الكوارث والمجاعات بسبب الفيضانات حيناً والجفاف حيناً، ولم يجدوا ما يقيم أودهم. كان الرفاه في الجزء الأول من الكرة الأرضية يدفع ساكني ذلك الجزء إلى إتلاف جزء من محاصيلهم الزراعية كي لا تتدنى أسعارها، وكان الجوع في الجزء الثاني من الكرة الأرضية يدفع ساكنيها إلى أكل أوراق الشجر وجيف الحيوانات النافقة، والموت جوعاً إن لم يجدوها، غير عالمين أن هناك بشراً مثلهم يتلفون محاصيلهم الزراعية بطراً.

وفي أجزاء أخرى من الكرة الأرضية انغمس بعض البشر في حروب أشعلتها دول وجماعات ذات أطماع ومطامح مختلفة؛ ومنها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو عقائدي ذو ميول متطرفة مغرقة في مشاريع ذات أبعاد تاريخية وعقائدية متخلفة. هؤلاء كانوا أشد خطراً على البشرية من الأمراض التي تفتك بصحة البشر، لأنهم مضوا يفرضون قوانينهم بقوة السلاح والقنابل والمتفجرات، ويعيدون إحياء أفكار عفا عليها الزمن.

وذات يوم صحا البشر على مرض يسببه فيروس متناهٍ في الصغر، لا يمكن أن يقارن بحجم بارجة أو طائرة أو صاروخ أو سفينة فضاء أو ناطحة سحاب، فيروس لا يُرى بالعين المجردة، ولكن تأثيره كان كبيراً إلى الدرجة التي لم يتصورها أحد من سكان الكرة الأرضية إلا في الروايات والأفلام السينمائية. وما هي إلا أيام حتى انتشر الهلع بين البشر، فأغلقت الدول حدودها، وعُلِّقت الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات، وأغلقت المراكز التجارية والمحال والمطاعم، ولزم الناس منازلهم، ووُضِعت شروطٌ للتنقل حتى في محيط البيوت.

توقف الزمن عند لحظة اجتياح الفيروس للكرة الأرضية، وشُلّت الحياة بشكل يكاد يكون كاملاً بعد أن توقف العمل في جميع القطاعات تقريباً. وحدها المستشفيات ظلت مفتوحة على مدار الساعة، ووحدهم الأطباء والممرضون والعاملون في المستشفيات والإسعاف ظلوا يلهثون كي ينقذوا البشر من الجائحة التي ألمت بهم، بينما واصل العلماء في مراكز الأبحاث ومصانع الأدوية الليل بالنهار لاكتشاف اللقاحات والأمصال التي يمكن أن توقف زحف هذا الفيروس على حياة البشر، ولم يعد للناس ووسائل الإعلام من حديث إلا عن الجائحة التي ألمّت بقاطني الكرة الأرضية وحصدت أرواح البشر في كل مكان، ودمرت اقتصادات الدول بشكل مروّع.

نظر الجد إلى حفيده الذي كان قبل قليل يصغي باهتمام فوجده نائماً. لم يستطع الصغير الصمود كي يصل إلى نهاية الحكاية فيسمع من جده كيف انتهت هذه الجائحة التي غيرت وجه الحياة على الكرة الأرضية كلها. استسلم الطفل لنوم عميق، فسكت الجد عن الكلام المباح قبل أن يدركه الصباح، ولم يعرف أحد إن كانت شهرزاد وشهريار قد قضيا في هذه الجائحة، أم أن جائحة أخرى قد قضت عليهما لتصبح هي أيضاً حكاية من حكايات سوف تُروى في المستقبل.

جريدة البيان

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •