أماكن العمل في زمن ما بعد الجائحة – بقلم سارة غرين كرمايكل

أماكن العمل في زمن ما بعد الجائحة – بقلم سارة غرين كرمايكل

عندما أفكر مرة أخرى في العمل المكتبي قبل تفشى فيروس «كورونا» أشعر وكأنه قد صمم لنشر الجراثيم. فالعمل المكتبي يبدأ برحلة في قطار الأنفاق أو الحافلة المزدحمة، بعد ذلك يبدأ الاستخدام المتواصل للأصابع بضغط أزرار المصاعد وآلات القهوة، ثم الجلوس وسط وصفوف مفتوحة من المكاتب التي تسهل الانتقال المفاجئ للعطس عبر القاعة الفسيحة.
قد لا يكون مستغرباً أن دراسة أجريت عام 2013 كشفت أن الجراثيم يمكن أن تنتشر من يد شخص واحد إلى نصف أسطح المكاتب في أربع ساعات فقط، لذلك من الواضح أننا بحاجة إلى القيام بعمل أفضل في المستقبل بعد عملية الإغلاق العام. لكن كيف؟
تقدم الجهات الأساسية التي ظلت مفتوحة خلال عمليات الإغلاق لمنع انتشار فيروس «كورونا» المستجد بعض الحلول بأن قللت من الازدحام من خلال توزيع العمل على نوبات متعددة، وطلبوا من بعض الموظفين العمل من المنزل، وخصصوا ممرات للسير في اتجاه واحد لمن يعمل من خلال المكتب.
قامت هذه الشركات بتركيب حواجز بلاستيكية واضحة حول ماكينات الصرف النقدي ومكاتب الاستقبال في مقارهم، وحرص البعض على عمل فحص لدرجة الحرارة، وإن كان هذه الإجراء ليس مضموناً، حيث إن هناك بعض المصابين بفيروس «كورونا» والموجودين بالمستشفيات لم تظهر عليهم أعراض الحمى مطلقاً.
قد تتساءل عما إذا كنا سنرى تغييرات معمارية كبيرة أيضاً، حيث إن البعض توقع نهاية المكاتب المفتوحة. لكن تنفيذ ذلك غير وارد.
في هذا الصدد، قالت جنيفر كوفمان بوهلر، الأستاذة المساعدة بجامعة «بوردو» ومصممة كتاب «خطة العمل المفتوحة المقبلة: تاريخ تصميم المكتب الأميركي»، إن عمليات إعادة التصميم تبدو مكلفة وتطفلية.
في خضم الركود الشديد، لا تستطيع معظم الشركات أن تتنافس على مساحات جديدة، وحتى لو كنا سنتباعد اجتماعياً عامين آخرين، فإن إعادة تصميم مكتب كبير ربما يكون مكلفاً من الناحية المالية.
إن تغيير السلوك البشري أسهل من تغيير العمارة، إذ إن المكاتب المفتوحة، بمساحاتها المرنة، تسمح بأنماط سلوكية مختلفة للغاية. وهذا التكيف هو السبب في أن المكتب المفتوح قاوم جميع محاولات قتله، ولذلك يظل هو الأنسب للتماشي وبشكل مدهش مع لحظة التغيير التي نعيشها الآن.
فالذين يعانون من رهاب الميكروبات استشعروا القلق من المكاتب المفتوحة قبل وقت طويل من تفشي وباء فيروس «كورونا» المستجد. وقد ربطت الدراسات التي أجريت في أوروبا بين المكاتب ذات التخطيط المفتوح وتدني الرفاهية وزيادة استخدام الإجازات المرضية، رغم أنه ليس من الواضح ما إذا كان ذلك بسبب انتشار الجراثيم بسهولة وسرعة أكبر، أو لأن العمل في مكان مفتوح يزيد من الإجهاد ويقلل من الإنتاجية.
يهوى النقاد أيضاً الإشارة إلى أن المكاتب المفتوحة سيئة حتى في الشيء الوحيد الذي صممت من أجله، وهو تعزيز التعاون. وقد وجد إيثان بيرنشتاين، الباحث بجامعة هارفارد، وبن وابر الذي يعمل بشركة «هومانيزي»، اللذان أجريا دراسات على الشركات التي تحولت إلى تصاميم الطوابق المفتوحة أن المحادثات المباشرة قد تراجعت بنسبة 70 في المائة، بعد التغيير الذي أجروه خلال الدراسة. ومع ذلك، استمرت هذه المساحات المفتوحة الواسعة بعد الدراسة.
تقول السيدة كوفمان بوهلر: «استمر المكتب المفتوح معنا منذ الستينات وربما قبل ذلك»، فيما تعود فكرة المكاتب المكررة بنفس التصميم إلى أواخر القرن التاسع عشر، ولا تزال على حالها حتى اليوم: صفوف من المكاتب في مساحات كبيرة مفتوحة. تضيف بوهلر أن التصاميم المفتوحة «لن تختفي أبداً»، على الرغم من إعلان موتها مرات عديدة.
تتطلب المكاتب الخاصة المزيد من كل شيء، المزيد من الأبواب وفتحات التهوية والمزيد من استهلاك الكهرباء. بالإضافة إلى مساحات العمل المفتوحة تسمح بدخول المزيد من الضوء، وتتيح لك التواصل البصري بسهولة مع الزملاء.
التصميم المفتوح قابل للتعديل، سواء كان ذلك على غرار ما التصميم المكتبي الذي شاهدناه في مسلسل Mad Men أو مساحات عمل جماعية حديثة تمكنك بسهولة من إضافة أو تخفيض عدد العاملين وإعادة ترتيب المكاتب والمعدات الأخرى حسب الحاجة.
في الواقع، هذه المرونة ستعتمد عليها الشركات الآن، نظراً لأنها تفصل المكاتب عن بعضها البعض، وتضيف فواصل وأقساما وتتحكم في المساحات المشتركة الكبيرة، مثل قاعات المؤتمرات لاستخدامها في أغراض أخرى.
لا يعني ذلك عدم وجود تعديلات ملموسة جديرة بالاهتمام، حيث يمكن لتلك الشركات المحظوظة ذات الميزانيات الكبيرة أن تستثمر في تكنولوجيا لا تعمل باللمس، مثل أبواب مستشعر الحركة ومفاتيح الإضاءة وصنابير الحمام للحد من الأسطح التي يتفاعل معها الموظفون.
فإذا كان نظام التدفئة والتهوية وتكييف الهواء لديك قد تقادم، فإن هذا الوقت هو الأنسب للاستثمار في نظام أحدث يوفر ترشيح أفضل للهواء. ونظرا لأنه من المرجح أن تكون التعديلات الرئيسية في التصميم بعيدة المنال، بالنسبة لمعظم الشركات، ستلجأ العديد من الشركات إلى تغيير السلوك بدرجة كبيرة.
أظهرت دراسة أجريت عام 2013 أن انتشار الجراثيم في نصف مساحات المكتب وقت الغداء، أدى إلى تعديلات بسيطة في السلوك، مثل مراعاة غسل اليدين واستخدام مطهر اليدين وتزويد الموظفين بمنديل تنظيف مجاني، وهو ما أدى إلى تقليل خطر إصابة الأشخاص بالمرض بنسب تراوحت ما بين 40 في المائة – 90 في المائة إلى أقل من 10 في المائة.
بكل تأكيد، ستقوم الشركات بتعزيز جداول التنظيف، خاصة في المناطق المشتركة مثل الحمامات وغرف الاستراحة والمصاعد، وسيكون ذلك وحده تغييراً كبيراً. ولأن المكاتب ليست بهذا القدر من القذارة، فستميل إلى التنظيف الخفيف فقط من قبل شركات تعاني من الجهد الزائد، والأجور الضئيلة التي تدفعها غالبية الشركات.
في أوج الركود أو حتى الكساد، ومع ارتفاع معدلات البطالة، قد لا تشعر الشركات بالحاجة إلى تقديم مزايا باهظة التكلفة مثل الوجبات المجانية.
ومن المرجح أن تطلب كافتريات الشركة من الموظفين تأجيل فترات استراحة الغداء لتجنب الازدحام. وبدلاً من تناول طبق مفتوح مع الأصدقاء، قد تتناول غذاءً على بعد ست أقدام من أقرب شخص لك.
علينا الاعتراف بأن التقارب الداخلي الطويل هو الوسيلة الأساسية لانتشار هذا الفيروس، ولا مفر من هذا التقارب إذا عاد الناس إلى أعمالهم، بغض النظر عن الاحتياطات التي تتخذها الشركات.
– بالاتفاق مع «بلومبرغ»

جريدة الشرق الاوسط