تركة السلطان مراد – بقلم على عبيد الهاملي

تركة السلطان مراد – بقلم على عبيد الهاملي

رك الطفل، الذي لم يتجاوز عمره 15 عاماً مخيم النازحين السوريين، الذي يسكن فيه برفقة عائلته، وذهب للعمل في مجال الزراعة. بقي الطفل على اتصال مع ذويه نحو 20 يوماً، ثم انقطع الاتصال بعد ذلك. تفاجأ الأهل بظهور ابنهم في أحد الأشرطة المصورة يقاتل إلى جانب الفصائل السورية في ليبيا.

جُن جنونهم، وطفقوا يستفسرون عن ابنهم، فتبين لهم أنه قد جرى تجنيده في صفوف فرقة «السلطان مراد»! بعد محاولات عدة، وبعد تردد عائلة الطفل على مقر فرقة «السلطان مراد» قالت عناصر الفرقة للعائلة: إن طفلهم قد قتل بمعارك ليبيا كي يتخلصوا من إلحاح العائلة لمعرفة مصير ابنها.

سألت العائلة عن جثة الطفل، فتملصت الفرقة من مسؤوليتها، وادعت أنها لدى الجيش الليبي. في حادثة أخرى أخبر شاب من ريف إدلب الشرقي ذويه بأنه ذاهب للعمل في عفرين، وبعد حين فوجئت عائلته بوجوده في ليبيا، عقب ظهوره في شريط مصور.

ذهبت العائلة إلى عفرين للاستفسار عن ابنها، فتبين أن الشاب تم تجنيده من قبل فرقة «السلطان مراد»، وقتل بمعارك ليبيا. تنقل مصادر مطلعة أن عدد الأطفال الذين تم إرسالهم إلى ليبيا حتى الآن بلغ 150 طفلاً، قتل منهم 16 طفلاً خلال المعارك الدائرة هناك.

أي حظ عاثر هذا، الذي بعث السلطان العثماني «مراد الرابع» من مرقده ليجند أطفال سوريا، ويرسلهم للموت في ليبيا؟ وهل ينقص سوريا قتلة الأطفال كي تظهر لهم فرقة «السلطان مراد»، لتقوم بإغواء الأطفال وإغرائهم وإرسالهم للموت خارج الحدود؟

وفقاً للمواقع التي ترصد ما يحدث على أرض سوريا، أُعلِن عن تشكيل فرقة «السلطان مراد» في منتصف عام 2012 قرب مدينة حلب.

مؤسس الفرقة هو يوسف الصالح من قرية «قره كوبري» الواقعة شرقي إعزاز القريبة من الحدود التركية، وكان يعمل في صناعة الأحذية، ويحظى بدعم تركيا. تأسست الفرقة بطلب من الاستخبارات التركية، لغرض حماية التركمان في سوريا، وشاركت في معظم المعارك ضد المقاتلين الأكراد.

تشير المصادر إلى أن الفرقة تمتلك أسلحة متطورة، قدمتها تركيا لها، ومن ضمنها أسلحة خاصة بحلف شمال الأطلسي ومدرعات تركية عالية الدقة، وهي الآن من الفرق التي تحارب إلى جانب المتطرفين في ليبيا ضد الجيش الوطني الليبي، وتصدّر الأطفال من سوريا إلى ليبيا كي يُقتَلوا هناك.

إذا كان تاريخ الفرقة في القتل والاختطاف والتعذيب دموياً، فإن تاريخ السلطان «مراد الرابع»، الذي سميت الفرقة باسمه أكثر دموية، فهو السلطان العثماني الرابع عشر، وقد بدأ خلافته، عندما كان عمره 11 عاماً، بعزل عمه السلطان مصطفى الأول، وبقيت الأمور كلها في يد أمه السلطانة «قسم» المعروفة هي الأخرى بقسوتها المفرطة.

دامت سيطرة السلطانة «قسم» على الحكم 9 سنوات، واستلم مراد الرابع الحكم بعدها، ليبدأ مسلسل الدم بقتل أخيه، وولي عهده بايزيد، ثم ألحق به أخاه سليمان، وبعدهما قتل أخاه قاسم، ولولا تدخل أمه لأدى بطشه واستبداده وميله إلى سفك الدماء إلى القضاء على ذرية آل عثمان من الرجال، إذ كان ينوي قتل أخيه الرابع إبراهيم، الذي أصبح ولياً للعهد، حيث إنه لم يعش له أي من أولاده الخمسة، الذين ماتوا في حياته، ويُذكَر أنه قتل عشرين ألفاً في سبيل تأمين حكمه.

تاريخ مفرط في الدموية وقتل أقرب الناس إليه، ناهيك عن الآخرين ممن لا يقربون له، هو تاريخ السلطان العثماني مراد الرابع، الذي لا يختلف عمّن سبقه من سلاطين بني عثمان، ومن جاء بعده منهم، تكمله اليوم الفرقة المسماة باسمه، وتجعل من «تغريدة» ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، حين ادعى أن تركيا ليست دولة عدوان، وأنها تناصر المظلومين والمستضعفين، مثاراً للانتقاد والسخرية من قبل المغردين على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كيف يستقيم هذا الادعاء مع إرسال فرقة «السلطان مراد» التابعة لتركيا أطفال سوريا إلى ليبيا كي يموتوا بعيداً عن وطنهم، وأهلهم من أجل قضية خاسرة، وفي سبيل صنع مجد لن يتحقق لأصحابه، وتأسيس نظام خلافة تجاوزه الزمن، ولم يعد صالحاً للعصر الذي نعيش فيه.

ليس عيباً أن نستدعي التاريخ وشخصياته لنستخدمها رموزاً في عصرنا الحاضر، ولكن حين يكون تاريخ هذه الشخصيات دموياً ومفرطاً في القتل، مثلما هو تاريخ السلطان مراد الرابع، فإن استدعاء التاريخ يصبح رسالة ذات مضمون سيئ، يدفع الأطفال ثمنها، ويصبح المسؤولون عن الزج بهؤلاء الأطفال في أتون حرب لا علاقة لهم بها مجرمي حرب، يجب جلبهم كي ينالوا العقاب الذي يستحقونه، وكي يكون لهم نصيب من تركة السلطان، الذي تحمل فرقتهم اسمه.

جريدة البيان