أحمد الشهاوى: الحس الصوفى يلازمنى كظلى

أحمد الشهاوى: الحس الصوفى يلازمنى كظلى

أرثى لحال من يقرأون جلال الدين الرومى بعد أن أصبح موضة

  • من الظلم حصر كتابتى فى درج التصوف
  • أخوض حروبا داخلية مع نفسى بشكل يومى
  • عشت أكتب حسراتى المتكررة وخيباتى

منذ انطلاق تجربته الشعرية خط لنفسه مسارا مكنه من رسم ملامح خاصة لتجربته التى أخذت تفردها من إرث الطفولة والشباب، وهو المخزون الصادق فى كل تجارب الإبداع، واستثمار هذه التجربة بمثابة الرهان مع النفس، فإما يخرج العمل الإبداعى صورة مشابهة لهذا الإرث، أو يستطيع الكاتب أن يفلت بتجربته إلى ما هو أكثر رحابة، وهذا ما فعله الشاعر أحمد الشهاوى فى فرديته التى أخلص لها، ففى رهانه على البعد الص وفى بعد تخليصه من العبء الدينى، سبر أغوار الحروف، ونفذ بعيداً، إلى المجهول، فيخامرك الإحساس بعد قراءة دواوينه أنك تستطيع أن ترتدى زى راقصى التنورة، وترى الألوان السبعة.

ديوانك الجديد “ما أنا فيه” يحمل الكثير من الحزن والشجن والشعور بالوحشة.. هل هذا الديوان له ظروف خاصة عن بقية كتاباتك؟

فى “ما أنا فيه”، شغلت بالحرف ودلالاته وإيقاعاته، وأسراره، وعوالمه، وأظن أننى كنت عند حسن ظنه بى، فى هذه التجربة، ذلك الحرف الباكى، والدال، الذى تحمل ما بى، وحملنى إلى نفسى فى الغربة الروحية والمكانية. كما شغلت بمساحة الصمت، والفراغ، والحذف، ولا أظننى، أجريت حذفا فى كتاب لى من قبل مثلما فعلت مع متن هذا الكتاب، وكان الصمت أكثر من البوح والعلن. ولا أدرى إن كنت قد نجحت أم لا، فى الحفل الذى أقمته، لتوديع الجمل الأسمية الخالية من المعنى، وقد اعتمدت على غنى الظلال التى يتركها المعنى على باب الجملة. فى هذه التجربة كانت حروف اسمى أثقل من جبل، ولذا تكلمت روحى بلا انقطاع.

 هل الكتابة والبوح للورق خلصك من هذه الحالة؟

لا توجد تجربة شعرية مكتملة، لأن تمام الاكتمال هو موت للشاعر، والتجربة الشعرية تتوزع على حياة الشاعر وأعماله، ولكن تجربة “ما أنا فيه” لم تخلصنى من أوجاعى، وهواجسى مع الموت، ولكنها جعلتنى أفكر فى المحجوب داخلى، حيث كشفت لى أن “الأذى ينام فى نسيج كل شىء”، وأننى عشت طوال الوقت أربى التناسى، وأرعى الصمت، وأرقب سيرة النيل الذى يمر جوار بيتنا فى قريتى “كفر المياسرة” وأحرس الشمس كى لا أفقد ظلى، وظلال الأشجار التى زرعتها على جسور غيطنا الذى كنت أشرف على زراعته بنفسى، ولعل ولعى بزراعة الأشجار على رأس الأرض جعلنى طوال حياتى مشغولا ومهتما بنمو الأشياء، والكائنات، داخلى وحولى، مثل القطط ودود القز، وهذه العادة جعلتنى أربى الحرف بين روحى، وأرعى الشعر، وألا أشرك معه شيئا آخر، لأن الشعر لا يحب الشراكة، أو الانصراف عنه، إذ كلما ابتعد الشاعر عن نصه، هجره الشعر وعاش فى مكان آخر، ملائم له من حيث البيئة، والرعاية والعناية والسهر عليه، وحراسته من برد العزلة وقسوة الترك والانشغال.

 لماذا أضفت عنوانا آخر للكتاب أسميته “القصائد الأمريكية”؟

كتبته فى أريزونا الأمريكية، وهى المرة الأولى التى أكتب كتابا كاملا فى بلد غير بلدى، كنت أكتب بشكل يومى، وهناك نصوص كنت أكتبها وأنا أبكى، ولما سافرت فى رحلة شعرية إلى كوستاريكا اشتغلت وراجعت بالحذف، فالحذف فى النص إضافة، ومن عاداتى أننى فى كل طبعة جديدة من كتبى الشعرية أو النثرية، أحذف فيها سطورا أو فقرات، لكننى لا أتذكر أننى أضفت كلمة واحدة، لأنه من المستحيل على الشاعر أو الكاتب أن يعود إلى الحالة الأولى التى كان عليها قبل لحظة كتابة نصه، طبعا هناك عشرات وربما مئات من القصائد، التى كتبتها خارج مصر، إذ إننى كثير السفر، لكنها المرة الأولى التى أضع تحت عنوان كتابى فى الصفحة الداخلية، عنوانا ثانيا، هو “القصائد الأمريكية”، كما أنها المرة الأولى التى أهدى فيها كتابا لابنى أحمد “سقط كرم السماء على قدميك”، حيث إن كل كتبى مهداة إلى أمى “نوال عيسى”، وهذه المرة شاركها أحمد ابنى فى إهداء ثان.

لم أكن مشغولا بما كتبه شعراء العالم عندما جاءوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا تجربة الشاعر الإسبانى جارثيا لوركا فى نيويورك، كنت مشغولا بوجعى وألمى وموتى الجديد المستمر. فى هذه التجربة كنت ابنا شرعيا للخذلان “كأن جسد الشاعر مات فى/ والروح تقاتل عدوا فى الخيال”، هل تحمل الحرف عنى الألم الذى لم أحتمله؟

 هل الكتابة بالنسبة لك بديلا عن الغربة والألم؟

كانت كل الأبواب مغلقة فى وجهى، الوحيد الذى فتح لى الباب هو النص الشعرى. وأظن أن الكتابة، والفن بشكل عام، تشفى، وتضمد الجراح، وتزيل أو على الأقل تخفف الآلام. كتبت سيرة الألم لكننى أخشى سخونة الجراح؛ ولذا تركت الكتابة كى تبرد قليلا أو كثيرا “مع أننى لم أبرد، ولم أبرأ”، ثم أعدت القراءة، بعد أن دفعت الكتاب إلى المطبعة، وسافرت رحلة استمرت ثلاثة أشهر بين أريزونا وكوستاريكا، ثم طلبت صرف النظر عن النسخة التى أرسلتها وأرسلت النسخة الجديدة التى أعملت عليها الحذف إلى دار النشر.

 ما دلالة حضور “النمل” فى ديوانك؟

ليس هناك سبب محدد لاهتمامى بالنمل، فى “ما أنا فيه” ولا فى حياتى بشكل عام. أنا شخص مسكون بالنمل، ومن عاش فى الريف يعرف جيدا نظام النمل وجيوشه،  وأظن أن النمل هو المثال الواضح للمتن لا الهامش، للفعل لا للثرثرة، للتأمل لا للصوت الزاعق والهتاف، “أليف كنص طويل بلا أى شرح”، كما أننى عشت حياتى، ودماغى تمشى فيها جيوش جرارة من النمل، هى مسكن للنمل “فى رأسى/ نمل نارى يمشى لا أعرف اسما أو نوعا له، لا أحب أن أكون قتيل حروب النمل داخلى، ما يؤلم أننى صرت ساحة للقتال”. وهى ليست المرة الأولى التى يعيش النمل أو يسكن شعرى، لكنه موجود بصور كثيرة ومختلفة، وعادة أحب أن أكتب عن الكائنات التى أعرفها وعايشتها، فمن الكذب أن يكتب الشاعر عن أشياء لم يرها أو يختبرها أو يعشها.

 هل أصبح إرثك الصوفى حملا على كاهلك الشعرى؟

 فى “ما أنا فيه” حاولت أن أفتح بابا آخر للروح، وأن أدخل عقلا لم أره من قبل، إذ تجردت من الصوفى فى، وهذا لا يعنى أننى أتخلص من إرثى الشخصى، أو إرثى الصوفى، حيث إن الحس الصوفى يلازمنى كظلى، وأرى أن كل إنسان صوفى بشكل أو بآخر، صوفى فى شجنه، وحزنه، وموته اليومى، وعشقه، وخسرانه، وهزائمه المتعاقبة، وأن كل شاعر صوفى، فى أوقات الإشراق والتجلى، إذ يفيض بالغريب، والعجيب، والمدهش، بحيث يسأل نفسه بعد إتمام نصه: كيف كتبت هذا؟

فى هذا الديوان تخلصت من أثقال الذاكرة البعيدة، لكن من الصعب، بل من المستحيل، أن يحرق الشاعر مراكبه الشعرية فى ماء بحر مسيرته، إذ حتما ستبقى ظلال صوفية خافتة، ذات إيقاع باق وملموس، لكنه خفيف، حضوره مقنع، وجاء عفويا، وليس محشورا، أو مقحما. وحقيقة أنا أحزن عندما أصنف فقط كشاعر صوفى، أو شاعر وظف أو استلهم، أو استفاد من التصوف؛ لأن كتابتى مفتوحة، على آفاق رحبة، ومن الظلم حصرها فى درج التصوف.

 لكنك محسوب على الشعر الصوفى؟

قد أكون صاحب تجربة صوفية، وقد أكون من أكثر الشعراء العرب استخداما للتصوف، وهذا أمر ليس جماليا، أو شعريا، أو فنيا فقط، لأننى عشت حياتى منذ الطفولة المبكرة مع التصوف والمتصوفة، أرتاد الموالد، وأنخرط فى الطرق الصوفية، وبدأت حياتى مريدا فى الطريقة الشاذلية، ومنها ذهبت إلى شيوخ الوقت وأقطابه، وأصحاب الإشراق الشعرى والنثرى الصوفى الذين قرأت كامل منجزهم الشعرى والنثرى فى سن مبكرة، وكنت حريصا على قراءة الأسماء المهمشة، والمنسية التى لم يشر إليها المستعربون أو المستشرقون، إذ كان الشعراء فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى يقفون طوال الوقت أمام النفرى صاحب “المواقف والمخاطبات”؛ وهذا جعلنى لا أقرأه إلا فى وقت متأخر، ربما من الزهق والملل، إذ “ديس” تحت أقدام زملائى وأصدقائى الشعراء على امتداد الوطن العربى، فأخذت قرارى أن يكون الأخير فى قائمة قراءاتى فى التصوف، مع أن أبا الحسن الشاذلى نبه إلى كتاب “المواقف والمخاطبات” قبل سبعة قرون، أى قبل المستشرق الإنجليزى “آرثر أربرى” الذى نشر كتابه فى لندن سنة 1935 ميلادية، وكان الكتاب موجودا فى بيتى، فى أكثر من طبعة محققة، ربما لأننى لا أحب أن أكون واحدا فى الصف “الطابور”، فأنا أكره الزى الموحد، والكتاب المقرر على جميع الشعراء، والآن أرثى لحال من يقرأون جلال الدين الرومى، من الكتاب والشعراء، بعد أن أصبح موضة، وأقول أين كانوا لما كانت كتبه لا تباع منها نسخة واحدة طوال العام.

 هل كلامك يعنى أن التأثر والاقتباس بالآخر مرفوض؟

أحب للشاعر أن يكون حقيقيا، ولا يستعير لغة أو حال آخر، فحتى لو نجح فى استعارة اللغة، فمن المستحيل أن ينجح فى استعارة حال شاعر آخر غيره، وهذا مأزق الشعراء مع التصوف، فلقد كان التصوف عندى أسبق، أو ملازما لكتاباتى منذ كنت طفلا، فى قريتى التى كانت من أكثر قرى مصر احتفالا بالتصوف. فتجربتي ملآى بخزين السنوات الأولى فى القرية، وأحاول فى كل كتاب أن أنجو من أخطائى، وألا أكون كحارس لغة فقد النطق، أزيل العوالق قدر ما أستطيع، كى أكون ناصعا وشفيفا فى النص الشعرى أو النثرى، وربما اعتدت أن تغسل الشمس روحى كل صباح، وأعيد من جديد علاقتى مع الطيور والنباتات، وحتى الحشرات، وهذه العلاقة تكونت قديما، منذ كنت فى القرية، الآن أعود كثيرا إلى طفولتى وصباى، وهى مرحلة كتبتها، متفرقة فى كتبى، ولكننى لم أكن أركز عليها، ولم أعطها حقها فى الوجود، وعلىّ أن أمنحها كثيرا من الوقت والتأمل.

أخوص حروبا داخلية مع نفسى، بشكل يومى، حروب المساءلة والمحاسبة، وجرد السنين التى عشت، أكتب خسرانى المتكرر، وخيباتى، وماء الوقت المهدور على تراب الشوارع والمقاهى، مع أننى أفدت كثيرا منهما. لا أحب أن يكون كشكولى ممتد النسيان.

 وماذا بعد “ما أنا فيه”؟

الآن أحاول أن أسرق النور، أو أخلقه لنفسى، إذا فشلت فى السرقة، لأن ما فات مات، وانقضى وضاع، ولن أجلس لأبكى عليه نادما، علىّ أن أمشى إلى ساحل لذات لم أعرفها، إنها حياة جديدة تولد مع كل كتاب أصدره، أستبطن أحوالى، وأفتش عن أماكن جديدة، وأذهب فى أسفار أخرى إلى بلدان نائية وغريبة.

أستطيع أن أقول بلا يقين إن قصيدتى مفتوحة كحياتى، لا نهايات لها، حتى لو أدركنى الموت، لا نقطة هناك فى  آخر السطر، بل هناك جمل جديدة تالية، حتى ولو لم أكن كاتبها، لإيمانى أن حياة الكتاب طويلة، وكل قراءة جديدة له هى تأويل ثان وكتابة أخرى له، ولقد سربت سيرتى فيما كتبت، صحيح أنها سيرة منقوصة، وليست كاملة، لكنها تشى، وتلمح، وتشير، وترمز، فقد عشت سيدا للخسائر، وابنا للإشارات، ربما لأننى لم أكن قادرا على الاعتراف بما أنا فيه، لكننى على الأقل عشت مخلصا ومنصتا إلى موسيقى روحى وهى تجرى فى مياهى.

مجلة الاذاعة والتلفزيون

Close Menu