لا حياء في التاريخ – بقلم إنعام كجه جي

إنعام-كجه-جي

عاشت سيسيل رول تانغي مائة عام وعام، وماتت في اليوم نفسه الذي يحتفل فيه بلدها بالذكرى 75 لانتهاء الحرب العالمية الثانية. لم تسمح ظروف «كورونا» بإقامة جنازة تليق بالمعمرة التي كانت من أبطال المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي. إنها المرأة التي طبعت على آلتها الكاتبة قرار انتفاضة باريس في وجه القوات الألمانية، صيف 1944. كابر هتلر ورفض الإقرار بالهزيمة. اتصل هاتفياً بقائد قواته في العاصمة الفرنسية، الجنرال ديتريش فون شولتز، يسأله: «هل تحترق باريس؟». صدرت الأوامر للجنرال بنسف جسور المدينة وهدم صروحها واستخدام حديدها وحجارتها في بناء متاريس تصد جيوش الحلفاء. ذهب السفير السويدي راوول نوردلينغ ليتفاوض مع القائد الألماني الذي اتخذ من فندق «موريس» مقراً له. أزاح السفير ستارة النافذة المطلة على حدائق «تويلري» والمسلة المصرية في ساحة «الكونكورد» وبرج «إيفل» في الضفة المقابلة، وقال للجنرال: «هل تريد أن تكون الرجل الذي أحرق أجمل مدن أوروبا؟».
ظهرت آلاف الكتب والأفلام عن الحرب العالمية الثانية. كان جنود الحلفاء فيها هم الأبطال، بينما حجز المؤلفون والمخرجون دور الشرير البشع قاسي القلب للجندي الألماني. استسلمت فرنسا وحافظت على عاصمتها من القصف الذي قوّض عواصم أوروبا ومدنها. وبعد التحرير عاقبت بالقتل والمحاكمة آلاف المتعاونين مع المحتل. حلقت رؤوس النساء الخائنات وطافت بهن في الشوارع يتلقين الشتائم والبصقات. ولد 200 ألف طفل من أم فرنسية وأب ألماني من جنود الاحتلال. وبعد هزيمة الألمان دخلت القوات الأميركية إلى المدينة وحملت أرحام الفرنسيات آلافاً أخرى من الأطفال. تفاصيل كثيرة تحكيها لنا أفلام وثائقية تعرضها القنوات الفرنسية هذه الأيام. لا تخجل الشعوب من سقطات تاريخها ولا تتستر عليه. لا ممحاة كبيرة للتزوير بل أضواء كشافة تروي للأجيال الحقائق، أو ما يتيسّر منها حتى هذه اللحظة.
يقرأ الأبناء والأحفاد عن مئات الفرنسيين الذين خصصت لهم الدولة الألمانية مرتبات تقاعدية مقابل خدمتهم في جيشها. واليوم، بعد مرور 75 عاماً على توقف القتال، تتولى وزارة قدامى المحاربين التحقيق في نوع العمل الذي أدّاه أولئك الفرنسيون خلال الحرب. هل كانوا مجندين مرغمين أم عملاء خونة؟ نشر زعيم حزب فرنسي تغريدة جاء فيها أن 54 فرنسياً ما زالوا يقبضون مخصصات من حكومة السيدة ميركل مقابل عملهم مع الجيش النازي. لا شك أن هؤلاء هم من بقي على قيد الحياة من قدامى المتعاونين. ولم تنفِ السفارة الألمانية الخبر. فقط أوضحت أن المبالغ تُصرف لمعاقي الحرب، ولأراملهم وأبنائهم. ترفض برلين تسليم قائمة بأسماء المستفيدين. وتكتب صحف باريس: «نازيون يعيشون بيننا».
في خطاب مؤثر، أمس، اعترفت أنجيلا ميركل بأن «في كل ألماني نازيّاً صغيراً نحاول دفنه». كانت قد وعدت الرئيس الأميركي بأن تشترك ألمانيا في إحياء ذكرى هزيمتها. حاول كل واحد من الفرقاء، في ذلك اليوم التاريخي البعيد، أن يسحب المجد لنفسه. اتفق تشرشل مع الرئيس الأميركي ترومان والزعيم السوفياتي ستالين على يوم محدد وساعة معينة لإعلان انتهاء الحرب. خشي رئيس وزراء بريطانيا أن يسبقهم الجنرال ديغول إلى ذلك. لا أحد يستطيع ضبط الضابط العملاق قائد قوات فرنسا الحرة. وكان الحل دعوته للانضمام إلى الفريق.
يحتفل المنتصرون بذكرى نصرهم ويرفعون الأنخاب. تعرف الشعوب التي مرّت بتلك التجربة المهلكة أن لا فائز فيها ولا خاسر. الكل مهزوم في حرب قصفت أعمار أكثر من 70 مليون إنسان.

جريدة الشرق الأوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •