أعطني حريتي – بقلم إنعام كجه جي

أعطني حريتي – بقلم إنعام كجه جي

نحن في اليوم العالمي لحرية الصحافة. مفهوم يبدو وكأنه فولكلور من زمن ماضٍ. مطلب من تلك المطالب التي نودي بها في القرن العشرين، ثم تجاوزتها التكنولوجيا في قرننا الحالي. ومن كان لديه رأي يودّ التعبير عنه فليذهب إلى مواقع التواصل وينشر ما يريد. قل كلمتك ولا تمشِ. عدْ للنوم على مخدّة السلامة، أو الندامة. لم تعد هناك حواجز تعيق تسرّب الأخبار. لا شرطة للرأي ولا رقابة كونية على الأفكار. وحتى أكثر الأنظمة انغلاقاً استوعب هذا الواقع.
يعقد رئيس أقوى دولة في العالم مؤتمرات صحافية، ويقف ليوزع حق السؤال وفق مزاجه. يعطي الميكروفون لمن يشاء ويمنعه عن آخر. يعادي الصحافيين ويتهمهم بنشر أخبار كاذبة ولا يحجب جريدة أو مجلة. خرجت الحرية من أسر الورق المطبوع وطارت عبر الأقمار الصناعية. وما زالت «اليونيسكو» تمنح جائزة سنوية باسم حرية الصحافة، ينالها زميل أو زميلة من الشجعان.
بعض بلادنا ورث قوانين المطبوعات من أيام «العصملّي». ولم يكن في الدولة العثمانية، قبل 1858، تشريع خاص بها. وفي ذلك العام صدر قانون للعقوبات ينص على محاسبة من ينشر مطبوعات تضرّ بالسلطنة والحكومة والأمم المنضوية تحت لواء الإمبراطورية. والعقوبة هي الغلق، مع غرامة تتراوح ما بين 10 ليرات و50 ليرة مجيدية ذهب. ثم صار يتوجب الحصول على ترخيص حكومي لتأسيس صحيفة. وأصدر الصدر الأعظم محمود نديم باشا قراراً يقضي بفحص مواد الصحف قبل نشرها. هكذا ولد الرقيب.
لم تعد الكتابة تعبيراً عن الذات والرأي، بل مهنة خطرة يمكن أن تودي إلى السجن. وهناك من دخله بسبب خطأ طباعي، لا بسبب مقال غير مقبول. وصدرت تعليمات توصي بتجنب التطرق للمسائل الدينية، والتراجم من الصحف الأجنبية، وبعدم استخدام الأسماء المستعارة. وتشير دراسة لأستاذي الدكتور سنان سعيد إلى قائمة بالمفردات التي كانت ممنوعة في ذلك الزمن: ديناميت، اشتراكية، إضراب، ثورة، فوضى، مساواة، دستور، وغيرها. كما منع نشر المقالات المطولة، أو التي تنتهي بكلمة «يتبع». وحذفت النقاط المتتابعة بين العبارات، لأنها تفتح المجال لفرضيات لا طائل منها.
أدَّى التعسف إلى هجرة الأقلام وإصدار الصحف في الخارج. وهي الفترة التي شهدت هجرة عدد من الصحافيين اللبنانيين والسوريين إلى مصر، لأن صحافتها كانت أرحب. ومنهم من وصل إلى أوروبا والأميركتين وأسس فيها صحفاً عربية. وكان السلطان عبد الحميد يخصص عطايا للصحف في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا ولعدد من كبار محرريها. وما زالت هناك قوائم بالأسماء والهبات، لكن حريق قصر يلدز أتى على وثائق كثيرة.
استهدفت وشايةٌ السفير العثماني في لندن؛ كان يعكف على ترجمة «الكوميديا الإلهية» لدانتي. وأصدر القصر مذكرة بمنع مؤلفات ذلك الكاتب الإيطالي «حتى بعد تشذيبها».
وسرعان ما تقلبت الأزمنة. إذ جاءت ثورة النشر والبث الإلكتروني والفضائي وما عاد يمكن التعتيم على المستور. مع هذا يحتاج العالم لتخصيص يوم لحرية الصحافة. وهي، دون ديمقراطية، مثل النفخ في قربة مثقوبة.

جريدة الشرق الاوسط