«أندلسات» لا أندلس واحدة – بقلم د. حسن مدن

«أندلسات» لا أندلس واحدة – بقلم د. حسن مدن

في حوار متلفز أجراه معها الأديب والمفكر البريطاني، من أصل باكستاني، طارق علي، تقول إيله شوحاط، إن الأندلس، يوم كانت عربية، لم تكن المكان الوحيد الذي عرف تعايشاً وتفاعلاً بين الديانات المختلفة. كانت هناك «أندلسات» أخرى في القاهرة وبغداد والقدس.
وإيله شوحاط يهودية عراقية، مناهضة للصهيونية، ولدت في «إسرائيل» لأبوين بغداديين هاجرا، أو بالأحرى هُجّرا، من العراق في الخمسينات، عرفت بانخراطها في حركات يسارية مناضلة ضد العنصرية الصهيونية، قبل أن تجد نفسها محمولة على مغادرة «إسرائيل»، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتعمل أكاديمية في جامعة نيويورك مختصة بالدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية.
تقدم شوحاط نفسها ك «يهودية عربية». حين كانت ترى صور القاذفات الأمريكية تدمّر بغداد عشية وغداة احتلالها، شعرت أن شيئاً من ذاكراتها يجري تحطيمه. هي تتذكر صورة لوالديها يقفان على سطح بيتهما في بغداد وهما يفيضان حيوية، وتقارن بين ما كانا عليه آنذاك، وما بات عليه حالهما بعد تهجيرهما عنوة من بغداد، ضعيفين فقيرين.
يقال إن «الموساد» الصهيوني افتعل عمليات تفجير في الأحياء التي يقطنها اليهود العراقيون، واختلق اعتداءات عليهم لبث حال من الرعب في صفوفهم ليجدوا أنفسهم محمولين على الرحيل إلى الكيان المصطنع، حيث كانت تنتظرهم في البداية خيم، كتلك التي عرفها اللاجئون العرب الذين هجروا من قراهم وبلداتهم في فلسطين، وحتى عندما استقرت أحوالهم ظلوا مسكونين بالحنين للعراق، حتى إنهم كانوا يديرون المؤشر على محطة بغداد للاستماع للمقام العراقي، مخفضين الصوت عند حدوده الدنيا، بعد أن يحكموا إغلاق النوافذ كي لا يصل الصوت إلى اليهود الغربيين «الأشكيناز» لِيَشُوا بهم.
لم يكن المشروع الصهيوني الكولونيالي قائماً فقط على محو الهوية الفلسطينية، وتجريد فلسطين من عناصر هويتها العربية، وقضم أراضيها قطعة قطعة، وإدخالها عنوة في الجوف الصهيوني، إنما أيضاً على محو «الأندلسات» في المدن العربية الأخرى التي تَعايَش فيها على مدار قرون، معتنقو الديانات المختلفة. يكفي أن نعيد الاستماع إلى بعض مطالع أغاني المطربة العراقية الشهيرة، يهودية الديانة، سليمة مراد لندرك عمّ يدور الحديث، فلا تكاد تتبين أي فروق.
الهدف هو مسخ التنوع الثقافي والديني في البلدان العربية، وانتزاع مكونات أساسية فيه، وتجييرها لصالح المشروع الصهيوني، العنصري بطبعه، لا ضد العرب وحدهم، وإنما ضد اليهود الشرقيين أيضاً الذين ظلّوا حتى الساعة محل نظرة دونية من المؤسسة الصهيونية.
هل يمكن النظر لاستهداف المسيحيين العرب، لحملهم، هم أيضاً على الرحيل، خارج تصحير «الأندلسات» العربية؟ 

جريدة الخليج