الروائية البولندية أولغا توكارتشوك الحائزة نوبل تراقب كورونا عبر نافذتها – بقلم عبده وازن

الروائية البولندية أولغا توكارتشوك الحائزة نوبل تراقب كورونا عبر نافذتها – بقلم عبده وازن

عاد البيت الينا والشوفينية برزت مجددا رغم وحدة العالم أمام الوباء والمستقبل مختلف

قد يكون النص الذي كتبته الروائية البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة جائزة نوبل للآداب العام 2018، عن الأثر الذي تركه فيها كورونا والحجر المنزلي، بعنوان “عالم جديد من خلال نافذتي”، واحداً من أجمل النصوص التي تناولت هذا الوباء الذي يهز العالم منذ أشهر حاصداً أعداداً من الموتى وموقعاً ما يتخطى المليونين ونيفاً من المصابين أو المرضى. كتبت توكارتشوك نصها البديع بالبولندية وترجم إلى لغات عدة ونشر في صحف ومجلات عالمية وحظي برواج في أوساط القراء الغربيين لما يحمل من نظرة جديدة إلى قضية هذا الوباء، تجمع بين المقاربة الذاتية والتحليل العميق والجرأة في قول الحقيقة وفضح الملابسات التي أحاطت بظروف الوباء والتي تشكل مادة سجال عالمي، علمي واجتماعي وثقافي.

 الكاتبة أولغا توكارتشوك تعد من ألمع الروائيين البولنديين الجدد، من مواليد العام 1962، ولها نحو 12 كتاباً بين الرواية والقصص والمقالات. ومعروف عنها نزعتها الإنسانية الشاملة وموقفها المعارض للحكومة البولندية ذات التوجه القومي المتعصب. وعندما فازت بجائزة نوبل جاء في بيان الأكاديمية السويدية أنها منحتها الجائزة نظراً إلى “الخيال السردي المصحوب بعاطفة موسوعية والذي يتبنى تجاوز الحدود بصفته شكلاً من أشكال الحياة”. وكانت روايتها “الرحلات الجوية” حازت جائزة “مان بوكر” البريطانية العام 2018. هذه الرواية هي أول عمل يترجم لها إلى العربية وقد صدرت قبل شهرين بعنوان “رحالة” عن دار التنوير.

شجرة التوت

تستهل توكاتشوك نصها بانطباع وصفي قائلة: “من نافذتي، يمكنني أن أرى شجرة توت أبيض، شجرة أنا مفتونة بها، وهي تمثل أحد الأسباب التي جعلتني أعيش حيث أسكن. شجرة التوت هي من المزروعات السخية، فطوال فصل الربيع وفصل الصيف، تقدم إلى العشرات من عائلات الطيور، ثمارها الحلوة والسليمة. في الوقت الراهن لم تستعد شجرة التوت أوراقها، وها أنا أرى الشارع هادئاً، نادراً ما يجتازه أشخاص في طريقهم إلى الحديقة. الطقس في فروتسواف يكاد يكون صيفياً: شمس قوية، سماء زرقاء، هواء نقي. اليوم، بينما كنت أنزه كلبي رأيت طائرين من العقعق يطاردان بومة في العش. وعلى بعد خطوات تلاقت نظراتي ونظرات البومة. يبدو أن الحيوانات أيضاً تنتظر ما هو متوقع وتتساءل عما سيحدث من ثمّ.

ولوقت طويل، شعرت بأن هناك أشخاصاً كثيرين. إنهم أشخاص كثيرون جداً، سريعون جداً، وصاخبون. لست إذاً لأعيش “صدمة العزل”، وليس من الصعب عليّ عدم رؤية الناس. لا يؤسفني إغلاق دور السينما، ولست مبالية تماماً بإغلاق مراكز التسوق. ولكن يقلقني طبعاً أن أفكر في كل الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم. إلا أنني  عندما علمت بالحجر الصحي الوشيك، شعرت بمقدار من الارتياح. وأعلم أن الكثير من الناس شعروا بالمثل، حتى لو خجلوا منه. إن انطوائي، الذي خُنق طويلاً وأساء إليه الأشخاص المنفتحون والمتنشطون، قد تلاشى وخرج من الخزانة.

أشاهد جارنا من النافذة، هو محام يعمل كثيراً، كنت أراه يتجه إلى وظيفته في الصباح، ملقياً رداءه على كتفه. الآن يرتدي جارنا بذلة رياضية فضفاضة، ويتعارك مع غصن شجرة في فناء بيته. يبدو أنه يقوم بترتيب الأمور.

 أرى زوجين ينزّهان كلباً طاعناً في السن، وهو بالكاد يستطيع المشي، منذ الشتاء الماضي. الكلب يتمايل بينما هما يصطحبانه بصبر، سائرين بأيقاع بطيء جداً. شاحنة القمامة تقوم بجمع كوم القمامة، محدثة ضجة كبيرة”.

إيقاع مختلف

وتضيف منتقلة إلى التأمل في ظروف الحجر أو العزل: “تستمر الحياة ولكن بإيقاع مختلف تماماً. رتّبت خزانة ملابسي وأخرجت الصحف التي قرأناها ووضعتها في سلة إعادة التدوير. رتّبت الزهور. واستعدت دراجتي من المحل حيث تم تصليحها. إنني أستمتع بالطهو.

صور من طفولتي تعاودني باستمرار. كان ثمة الكثير من الوقت حينذاك، وكان يمكن “إهداره” و”قتله”، وقضاء ساعات في التحديق من النافذة، ومراقبة النمل، أو الاستلقاء تحت الطاولة وتخيلها كأنها الفلك. وقراءة كتاب موسوعي.

 أليس ممكناً أن نكون قد عدنا إلى الإيقاع الطبيعي للحياة؟ أمن الممكن ألّا يمثل الفيروس اختلالاً في القاعدة، بل على العكس – وكأن العالم المضطرب قبل حلول الفيروس، كان غير طبيعي؟

 لقد ذكّرنا الفيروس، بعد كل هذا، بالأمر الذي ننكره بشغف شديد: أننا مخلوقات دقيقة، تتكون من أكثر المواد هشاشة، وأننا سنموت، أن الموت قدرنا. أننا غير منفصلين عن بقية العالم بـ”إنسانيتنا” ومن دون أي استثناء، بل إن العالم هو بالأحرى نوع من شبكة كبيرة نحن محبوكون بها، ومرتبطون بكائنات أخرى عبر خيوط غير مرئية من التبعية والتأثر. وبغضّ النظر عن المسافة القائمة بين البلدان التي نتحدّر منها، أو اللغات التي نتكلم بها أو لون بشرتنا، فإننا نعاني المرض نفسه ونتقاسم المخاوف نفسها ونموت في الطريقة نفسها.

لقد جعلنا هذا المرض ندرك أننا، مع صرف النظر عن مدى ضعفنا وهشاشتنا في مواجهة الخطر، محاطون أيضاً بأشخاص أشد ضعفاً ومساعدتنا لهم ضرورة. ذكّرنا  المرض بمدى هشاشة آبائنا وأجدادنا المتقدمين في السن، ومدى حاجتهم لرعايتنا. لقد أظهر لنا أن حركاتنا المسعورة تعرّض العالم للخطر. لقد طرح المرض سؤالاً نادراً ما كانت لدينا الجرأة على طرحه على أنفسنا: ما هو تحديداً ما نواصل البحث عنه؟

ذكّرنا الخوف من المرض بالمساكن التي نأتي منها والتي نشعر بالأمان فيها. في مثل هذه الحالة، حتى أكثر المسافرين شغفاً صاروا يبحثون بإصرار عن نوع من المبيت. وفي الوقت نفسه، انكشفت لنا حقائق حزينة: في لحظة الخطر، تتجه أفكارنا من جديد إلى فئات محددة من الدول والحدود. في هذا الوقت العصيب، تبدّى لنا  ضعف الممارسة الفعلية لفكرة المجتمع الأوروبي. الاتحاد الأوروبي خسر المباراة  وألقى مهمة اتخاذ القرارات في شأن الأزمة، على عاتق الدول القومية. لقد عادت الشوفينية القديمة، وأعادت معها الانقسام بين “ملكيتنا” و”الغريب”، وهو بالضبط ما قاتلنا ضده خلال العقود الماضية على أمل أنه لن يغير عقولنا بتاتاً”.

اللوم يقع على الأجانب

 وتضيف: “أعاد الخوف من الفيروس إحياء الاقتناع بأن اللوم يجب إلقاؤه على الأجانب، وأنهم هم الذين يشكلون التهديد. ففي أوروبا، يتردد أن الفيروس جاء “من مكان آخر”. في بولندا، يُعدّ كل من يعود من الخارج مشتبهاً فيه. ويذكّرنا الفيروس بأن الحدود موجودة وأنها على ما يرام؟

أخشى أيصاً أن ينبّهنا الفيروس إلى حقيقة قديمة أخرى، وهي إلى أي مدى نحن غير متساوين. فبينما يسافر بعضنا في طائرات خاصة إلى منازل في جزر أو في أراض معزولة، يبقى آخرون في المدن، يشغّلون مصانع الطاقة والأعمال المائية. وهناك آخرون يخاطرون بحياتهم خلال عملهم في المستشفيات والمتاجر. البعض سيجني المال من الوباء بينما سيخسر آخرون كل ما يملكونه. ومن شأن الأزمة المقبلة أن تقوّض كل المبادئ التي كانت تبدو متينة جداً.

لن تتمكن بلدان عدة من مواجهة الأزمة، وفي مقابل سقوطها، سوف تنهض أنظمة جديدة، كما هو الحال غالباً بعد الأزمات”.

وتنهي نصها قائلة: “نحن نعتقد أننا نلزم المنزل ونقرأ الكتب ونشاهد التلفزيون، ولكن في الواقع، نحن نعدّ أنفسنا لمعركة حول واقع جديد لا يمكننا حتى أن نتخيله، مدركين بهدوء أن لا شيء سيعود كما كان. قد تجعلنا حالة الحجر الإلزامي، وإبقاء العائلة في المنزل، على وعي بأمور لا نرغب في تقبّلها: أن عائلتنا تستنزفنا، وأن روابط زواجنا قد ضعفت منذ فترة طويلة. سوف يخرج أطفالنا من الحجر الصحي في حال إدمان على الإنترنت، وسوف يدرك الكثيرون منا عدم الوعي بالمُحال وبترهة الظروف التي نعيش فيها عيشاً آلياً، من خلال قوة الجمود. وماذا لو ازداد عدد أعمال القتل والانتحار وعدد المرضى العقليين؟  

 أمام أعيننا، يتصاعد الدخان من النموذج الحضاري الذي شكّلنا على مدى المئتي سنة الماضية، وظننا فيه أننا أسياد الخليقة وأننا نستطيع أن نفعل أي أمر وأن العالم ينتمي إلينا. زمن جديد يقترب”.

www.independentarabia.com