نيتشه في الدار البيضاء – بقلم د. حسن مدن

حسن مدن

يثير الكاتب المغربي حمودة اسماعيلي السؤال التالي: ماذا لو ولد الفيسلوف الألماني نيتشه في الدار البيضاء؟. هل سيتحمل قراء العربية نقد هذا الفيلسوف لمفاهيمهم وتاريخهم؟.
أما لماذا الدار البيضاء بالذات من بين مدن المغرب، فلأنها، كما يرى الكاتب، تمثل المدينة الأكثر انفتاحاً من الناحيتين الثقافية والاجتماعية على مستوى المغرب وربما على المستوى العربي، ما يجعل منها مختبراً مناسباً لقياس ردود الفعل المتوقعة عربياً على فكر نيتشه.
يقرّ حموده اسماعيلي مؤلف كتاب «نيتشه في الدار البيضاء» أن الفيسلوف الألماني المذكور محبوب جداً، غير أنه يظل نيتشه الألماني، وهو يريد إزاحته من ألمانيا ومن نقده الفلسفي لأوروبيتها ليأتي به، أو بمفاهيمه للدقة، إلى الواقع العربي، متسائلاً: هل كان معجبوه والمهتمون به من العرب سيتقبلونه بنفس الترحيب لو أنه كان ينطلق من لغتهم وثقافتهم؟.
الأرجح أن المؤلف أراد من هذا التخيّل أو الافتراض حول ماذا كان سيحدث لو أن نيتشه بما يمثله بفكره وراديكاليته النقدية مغربياً أو عربياً، وضعنا أمام مجموعة من الأسئلة الإشكالية عن مدى تحمّل الثقافة العربية لأن تنتقد من داخلها، وأن تُخضع الكثير من المسلمات والبديهيات المستقرة في الأذهان وفي السلوك للمساءلة الصارمة التي قد تفضي إلى إسقاط ما هو مضفى عليها من «بداهة» لا تغري باحثاً على مقاربتها، لأنه نفسه يتعامل معها كبداهة.
ربما ينجم عن ذلك سؤال آخر يطال سؤال المؤلف الافتراضي نفسه، ويدور حول مدى قدرة البيئة الثقافية العربية على أن تنتج مفكراً أو فيلسوفاً بوزن نيتشه، وليس نيتشه وحده وإنما سواه من المفكرين والفلاسفة في تاريخ الفلسفة والفكر العالميين؟.
قضية مثل هذه تفتح أبواباً كثيرة الأسئلة وقد تحمل البعض على المغالاة بالقول: هل بوسع العقل العربي أن يفكر أصلاً، وربما كان حمودة اسماعيلي ميالاً لجعل هذا السؤال مداراً للنقاش بدليل أنه في المقدمة يلمح إلى قول كاتب أمريكي من أصول إيرانية هو حميد دباشي عن مدى قدرة غير الأوروبي عامة على التفكير.
من المنطقي أن يطرح الكثيرون منا رأياً حول كون مثل هذه الأسئلة متأثرة حد التماهي مع المركزية الأوروبية، ثقافياً على الأقل، وهي مركزية ينظر أصحابها، أكانوا غربيين أو مريدين لهم خارج الغرب، بالكثير من الاستعلاء لما هو غير غربي، بما في ذلك العقل نفسه، وربما هو خاصة قبل غيره.
رأي وجيه، لكن الفرضية مدار بحث الكتاب المذكور جديرة بالتأمل والنقاش. 

جريدة الخليج