أوسمة ونياشين – بقلم إنعام كجه جي

إنعام كجه جي
لم يحضر الرئيس الروسي بوتين، احتفالات الحلفاء بالذكرى 75 لإنزال جيوشهم على شاطئ النورماندي. هجوم عسكري شهير كان حاسماً في تحرير فرنسا وهزيمة النازية. انتظرهم هتلر من الساحل الشمالي فجاءوا من الغرب. كان رأي القائد الألماني رومل أنهم لن يهجموا في الربيع والجو المعتدل. لكنهم كانوا قد حددوا الثالث من يونيو (حزيران) 1944 موعداً لبدء عملياتهم. وتأخروا ثلاثة أيام فحسب لانتظار هدوء الموج. نصف مليون جندي حملتهم 4126 بارجة حربية. راح في الإنزال من لحظة بدايته حتى التحرير 37 ألف قتيل. وأربعة أضعافهم من الجرحى. عدا المدنيين من قرى المنطقة.
احتفلوا في بريطانيا وفرنسا، بينما كان بوتين يستقبل الرئيس الصيني. قيل إنه لم يكن مهتماً بالذهاب. وقيل إن الدعوة لم توجه له هذه المرة. حضرت إليزابيث الثانية مع ولي عهدها العشاء الرسمي. كانا يتزينان بالنياشين والأوشحة الملكية، وارتدى الرئيس الأميركي بدلة المناسبات الكبرى، دون أن يعلق على صدره أي وشاح. لم يكن الرجل محارباً ذات يوم بل رجل أعمال وعقارات ومُنظم حفلات ملكات جمال. وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه تهرّب من التجنيد في حرب فيتنام. ونقلت عن طبيب العظام لاري براونشتاين أنه أعطاه تقريراً كاذباً يؤكد أن لديه زوائد عظمية في ساقيه. لا زوائد حقيقية ولا نياشين باستثناء نجمة في بلفار الشهرة في هوليوود.
حضر ماكرون وميركل وتيريزا ماي، وغاب بوتين، وغابت النياشين الروسية. كانت أوسمة الزعماء السوفيات تصطف على صدورهم صفوفاً وتصل حتى ركبهم. ومثلهم شاه إيران الذي يحمل نياشين أثقل منه. وكان الرئيس السادات يتقلد أوسمته الحربية عندما يرتدي البزة العسكرية، واعتاد أن يحمل العصا. وهي عصا من غصن شجرة شذبه بنفسه، ما زالت موجودة في متحفه بالقاهرة. وقد أغرم عدد من القادة الأفارقة بالنياشين ذات الألوان دون أن تحدّ من فسادهم. ورسم فنان الكاريكاتير السوري فرزات صورة زعيم يوزع أنواط الشجاعة من طاسة في يده على عساكر عادوا مهلهلين من ساحة المعركة. وعرض الرسم في معهد العالم العربي في باريس وتسبب في مشكلة.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بيعت الكثير من قبعات الجيش الأحمر ونياشينه في أسواق الخردة. وهناك في سوق البراغيث في باريس دكاكين متخصصة في هذه التجارة. أوسمة حروب وثورات وغزوات استعمارية وانتصارات طواها الزمن ومات أصحابها. يتخلص الأحفاد منها لأنها كراكيب. ولا يسمح القانون بأن يحمل الابن وسام أبيه أو جدّه. لكن مصممي الموضة لم يتورعوا عن تزيين سترات العارضات بنياشين لم يجاهدن في سبيلها، اللهم إلا في ميادين الرشاقة والجمال.
قبل خمس سنوات حضر بوتين الذكرى السبعين للإنزال. وبررت الرئاسة الفرنسية عدم توجيه الدعوة له، هذه المرة، بأن المناسبة لم تكن شاملة مثل تلك التي يُحتفل بها في الذكرى العشرية ومضاعفاتها. هل توقعت رفضه الحضور؟ كان زعماء أوروبيون قد قاطعوا العرض العسكري الذي أقيم في موسكو بمناسبة الذكرى السبعين للانتصار على النازية. السبب هو التوتر في أوكرانيا. وها هي ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، تنصح بعدم المبالغة في تقدير أهمية إنزال النورماندي. قالت إن النصر ما كان ليتحقق لولا الجهود الخارقة للجيش الأحمر. ونددت المتحدثة بما سمّته «إعادة كتابة التاريخ بشكل كارثيّ»، ومنح البطولة للأميركيين، في حين أن بلادها فقدت 27 مليوناً في الحرب الثانية.
من قال إن الحرب الباردة انتهت؟
جريدة الشرق الاوسط
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •