شعر بطراوة الماء – بقلم د.حسن مدن

شعر بطراوة الماء – بقلم د.حسن مدن

أحد الشعراء قال ما معناه: إن البيئة المائية، حيث النهر أو البحر أو البحيرات، تجعل من الناس أكثر رهافة وحساسية ورقة.
ليس بعيداً يقف الشاعر والباحث في التراث الشعبي علي عبدالله خليفة عند ما فعلته بيئة الماء في المدن الساحلية الخليجية في طراوة المفردة الشعرية عند كتاب القصيدة النبطية، ضارباً مثلاً على ذلك بتحولات المفردة الشعرية عند الشاعر السعودي محمد بن لعبون ( 1790- 1831)، الذي جاء من الصحراء بوسط نجد حيث «القصيدة النبطية في بهاء لغة البادية وغريب مفرداتها على ابن الحاضرة، تُغنى على الربابة في فرجة استماع مهما بلغت فهي محدودة».
وحين انتقل إلى البحرين عند الطرف الشرقي للجزيرة العربية «حيث طراوة اللهجة الخليجية وعذوبة مخارجها وبساطة تراكيب جملها، ولج مرحلة جديدة من أدائه، حيث وجد فضاء أوسع لممارسة فنون الأداء على (الطار) التي أتقنها ابن لعبون ووضع لها الألحان التي عرفت ب (لعوبنيات)».
ويرى علي خليفة في مقال افتتاحي بالعدد الأخير من مجلة «الثقافة الشعبية» أن من يقرأ قصائد ابن لعبون قبل مغادرته نجد، ثم يستمع لنص أغنية: «يا علي صوّت بالصوت الرفيع/ يا مره لا تذبين القناع» التي كتبها بعد مجيئه البحرين وأطبقت شهرتها الآفاق بعد أن أداها أشهر المغنين، ومن بينهم الفنان أحمد الجميري سيكتشف البون الشاسع بين ما كان عليه شعره وما صار إليه.
وابن لعبون ليس الوحيد الذي يصحّ عليه هذا القول، فمثله كان الشاعر النبطي الكويتي عبدالله الفرج «الذي تربى ودرس في الهند وأتقن اللغة الهندية الواسعة التعدد والتنوع بما يحفها من فنون النغم والأداء، وحين غادر الهند إلى البحرين بعد أن بدّد ما ورثه من ثروة من والده، أنشأ من حوله أنشطة أدبية وفنية، كان قوامها قصيدة النبط وشعر الموال وفن «الصوت» الغنائي الشهير»، والأمر نفسه ينطبق بصورة من الصور على الشاعر محمد الفيحاني.
من شأن ملاحظة مثل هذه أن تنبهنا إلى تأثير تعدد البيئات في روح وجرس المفردة الشعرية، لا في نطاق الخليج والجزيرة العربية فحسب، وإنما على مستوى عربي أشمل، خاصة حين يكون النص المعني مصنفاً في دائرة الشعر الشعبي. 

جريدة الخليج

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu