فن القصة الكويتية الجديدة: قضايا وظواهر فنية – بقلم فهد توفيق الهندال

3132019
الهاجس الإنساني يشكل طيفا واسعا ضمن بقية أطياف اللون القصصي هنا، وهو ما يأتي على شكل نصوص تشتبك مع الذات في جانب منها، ومع الآخر في جانب آخر.

يعتبر الفن القصصي الأخ الأكبر للفنون الأدبية في الكويت، من حيث بداياته، اتساعه، امتداده، ونموه، أكثر من شقيقه الروائي، وذلك عبر أقلام أسست للقصة في الكويت ومهدّت لعوالم مختلفة وأجيال لاحقة، تنوعت بينها المعالم المشكلة للقص وبنى النص.

شهدت حقبة القرن الحادي والعشرين بعقديه الأول والثاني إنتاجا لافتا في السرد القصصي، عبر صدور مجاميع قصصية كثيرة، وبروز أسماء عديدة فرضت نفسها على الساحة الأدبية، كجيل أخذ دوره وحضوره في الوسط الثقافي، كل بحسب الخط الذي ينتمي إليه في كتابة النص القصصي. فقد استفاد الجيل الجديد من خبرة الأجيال السابقة المؤسسة والرائدة والمخضرمة، واطلاعه على العوالم القصصية عربيا وعالميا. كما كان محظوظا بالثورة المعلوماتية التي قدّمت له العالم ككتاب مفتوح، يتعرف على تجاربه وخبراته الأدبية، وهو ما تمثل بمنتديات الإنترنت والمدونات في بداية الاشتباك المعرفي، وصولا إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في إيصال تجارب هذا الجيل إلى أكبر عدد من المتابعين وفي وقت قصير جدا. دون أن نبخس حق منتديات القراءة والورش والنشر الصحافي وغيرها من العوامل التي ساهمت في ذلك أيضا. إضافة إلى حوافز التشجيع التي جاءت بمبادرات شخصية كجائزة الأديبة ليلى العثمان للإبداع الشبابي، وجائزة الشيخة باسمة المبارك الصباح لأعضاء منتدى المبدعين، وغيرهما من مسابقات المؤسسات والهيئات الرسمية والأهلية. مع تعدد فرص النشر في تنافس الناشرين على السرد وكتابه، لنشهد هذا الانفجار الكتابي بكل أشكاله عند جيل الشباب، ومنها القصة القصيرة.

جاءت مواضيع القصص متنوعة عند هذا الجيل، ولعل الهاجس الإنساني يشكل طيفا واسعا ضمن بقية أطياف اللون القصصي هنا، وهو ما يأتي على شكل نصوص تشتبك مع الذات في جانب منها، ومع الآخر في جانب آخر. فمع الذات في نوازعها وأسئلتها عن الهوية والوجود، ومع الأخر في الانتماء وعدد من قضاياه مما يشي بوعي كتابي يجد في الكتابة القصصية مجالا للطرح والكشف دون المعالجة التي يترك مسؤوليتها للقارئ.

كذلك الهمّ الاجتماعي، جاء منسجما مع قضايا المجتمع، فتعددت القصص حول بعض العلاقات الأسرية والفردية وانقسامات الحياة، لعل أبرزها قضايا الطلاق/ الانفصال مما يعزز القناعة بأن الهمّ الاجتماعي لا بد وأن يكون حاضرا في الأدب، استشعارا من الكاتب بواجبه تجاه مجتمعه، بعيدا عن الشكل الدرامي المستهلك.

إضافة إلى البوح العاطفي الذي شغل المساحة الكبرى من سرد الشباب القصصي، بما يواكب حركة القراءة اليوم واتجاه الكثير من الشباب نحو الكتابة، في تواز طبيعي مع إقبال أبناء جيلهم على متابعة أعمالهم.

كما شغل الغياب لأحد ما في حياتنا، دافعا للكتابة القصصية عنه، في إيضاح الصورة بعده، في استذكار ما قبله (الغياب)، وكأن السرد هنا نوع من الرثاء المغلف بلغة حزينة، باتت خطا واضحا في عدد من القصص للشباب. ومع هذه الظواهر الملاحظة في الكتابة القصصية للشباب، نجد استعادة الماضي بملامحه وقيمه ورموزه في عدد من النصوص، فالبيت القديم إلى جانب أنه حضن العائلة الدافئ، فهو أيضا حصن للكثير من العادات والتقاليد التي سجنت أجيالا متلاحقة. فجاءت الاستعادة لتدين ما كان وربما ما هو الآن.

مع استذكار مرحلة الغزو العراقي الغاشم والتحرير، كمنعطف كبير في حياة المجتمع الكويتي والعربي مما يوحي بوعي الكتاب بآثار ذلك على الشخصية الإنسانية في الكويت، ومحاورة التاريخ حول تحمّل المسؤولية وعلى كاهل أي جيل يُلقى بثقلها.

في حين يأتي قص الغموض واضحا وجليا في جانب كبير من التجارب القصصية، على اعتبار أن القارئ من هذا الجيل بات شغوفا بهذا النوع من القص الذي يستمد إثارته من عوالم الرعب.

كذلك يمكن أن نعيّن الحالة التي وصل إليها المجتمع اليوم في أن يعاني من اختلال في الوعي بالمفايهم الإنسانية المتمثلة في العلاقة بين الأنا والآخر، بما يتمثل في الفروقات الشخصية/ الاجتماعية/ الاقتصادية/ الثقافية/ العصرية. ومقابل براعة الكتاب في اقتناص الحالات الإنسانية المهمّشة بحسب ظروفها المختلفة على هامش المجتمع، فإننا نلمس معالجة معينة لكل حالة على حدة، تتمثل في مكافحة كافة أشكال التمييز والتفرقة على أساس العرق أو الدين، احترام حقوق العمالة الوافدة والمقيمة، ضمان الحقوق الإنسانية لغير محددي الجنسية، الرضا الذاتي على المنجز الشخصي، دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بالمجتمع، الحوار والتواصل بين الأجيال وغيرها. حيث نلمس الدعوة إلى تبني عدالة اجتماعية واعية وغنية بالمدارك الإنسانية العقلية والعاطفية.

طموح وتوصيات لمستقبل القصة في الكويت

وسط هذا الإقبال الكبير على كتابة السرد، وهنا أركز على القصة، ثمة ملاحظات عدة على كتاب جيل الشباب، وأخص المبتدئين منهم لما فيه صالح وتطوير الأدوات الكتابية:

  • أهمية التفريق بين جنس القصة كفن له معاييره والخاطرة أو المذكرات/ اليوميات الشخصية أو رسائل الغراميات، لتجنب الكثير من المحاولات من الوقوع في هذا الخلط دون وعي منهم.
  • إدراج فن القصة، تنظيرا وتطبيقا، في المناهج الدراسية في مراحل التعليم العام، لتكون مهادا لكل المحاولات المبكرة.
  • الوقوف بصورة جدية من كتاب القصة والنقاد في الحد من ظاهرة تغليب اللهجة العامية لدى بعض الكتاب في نصوصهم على حساب اللغة العربية، دون توظيف معين للعامية في النص القصصي.
  • ضرورة الاهتمام باللغة العربية وقواعدها كمادة بناء أساسية، لكونها وسيلة الكاتب في إيصال رسالته إلى المتلقي بشكل أوسع من النطاق المحلي.
  • على الكتاب الشباب الذين يحملون مشاريع لمجاميع قصصية التحلي بالصبر وعدم الاستعجال بالنشر قبل نضوج نصوصهم مع أهمية مسؤولية الناشر حيال ذلك في تخصيص لجان للقراءة دعما للرسالة الأدبية التي يفترض أنها أحد مكونات النشر لديه.
  • إن التحولات في المجتمع تتطلب تفاعلا من كتاب القصة الشباب في أن تكون نصوصهم مرآة عاكسة لها، بفعل اللغة والفكرة والرؤى التي تلمس بواطن المتغيرات والتأثيرات على الفرد والحياة من حوله.
  • متابعة المؤسسات الرسمية والأهلية الحاضنة للثقافة والإبداع للأقلام الناشئة في مجال القصة، من خلال دعوتهم للمشاركة في أمسيات تفسح المجال لهم لتلاقي القراء مع نصوصهم.
  • دور النقد، المحترف والأكاديمي، وأعوّل على الأول في المتابعة الدؤوبة للإصدارات الجديدة وأحمّل الثاني اقتصاره على المتابعة في ما يكون مطلوبا في بعض المناسبات. لأن النقد بشقيه المحترف والأكاديمي شريك مسؤول في كل مظاهر الإبداع، بإيجابها وسلبها معا.

ينشر المقال بالاتفاق مع “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

صحيفة العرب

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •