اختبارات الذاكرة – بقلم د. حسن مدن

اختبارات الذاكرة – بقلم د. حسن مدن

لأنطون تشيخوف قصة قصيرة لمّاحة وذكية كشأن بقية قصصه، عن رجل ذي وظيفة مرموقة في الدولة يجلس في غرفة الجلوس بمنزله صحبة صديق له أتاه ضيفاً، يتبادلان الأحاديث.
قال الرجل المُهم، وهو يستعيد ذكريات سنوات مضت من تاريخ المدينة التي هو فيها: «كانت مدينتنا من قبل محظوظة أكثر. لم يمر شتاء واحد إلا وزارنا نجم ما. كان يأتينا مشاهير الممثلين والمطربين، أما الآن فالشيطان وحده يعلم ما الذي يجري! لا أحد يأتي سوى الحواة والمتسولين من عازفي الأرغن اليدوي في الشوارع».
مدخل القصة يوحي لنا بأن تشيخوف بصدد المقارنة بين زمنين: زمن كان للفن والثقافة الراقيين مكانة ودور، وزمن آخر، حاضر، تسود فيه التفاهة. وهو مدخل ملهم للكثيرين لكي يقيموا مقارنات مشابهة في مجتمعاتهم. بوسع أي كاتب أو باحث عربي أن يعقد مقارنة مشابهة بين زمن فقدناه أو نفقده، كانت الحداثة والرقي والتنوير عناوين له، وزمن حاضر تسوده التفاهة والسطحية والتزمت، تجعلنا نتحسر على ذلك الماضي.
لكن تشيخوف يباغتنا بعد قليل بفكرة أخرى.
لقد حاول أن يتذكر، وهو يخاطب ضيفه، تواريخ بعض الفعاليات التي أحياها النجوم الكبار الذين أتوا المدينة، وبينهم ممثل إيطالي تراجيدي، استطاع بعد تحريض لذاكرته أن يستعيد اسمه: لويجي أرنستو دي روجيرو، لكنه أخفق في تأكيد السنة التي أتى فيها المدينة، أكان ذلك قبل اثتني عشرة سنة أو عشر سنوات؟ وجد موظف الدولة الكبير الحل في سؤال زوجته آنا بافلوفنا رئيسة لجنة النساء المحليات التي كانت لحظتها في مكتب مجاور لغرفة الجلوس التي يجلس فيها رفقة ضيفه، وعيناها النشطتان تجريان عبر صفحات رواية فرنسية: كم عمر ابنتنا نينا؟ أجابت الزوجة: عشر سنوات. وواصل موظف الدولة حديثه للضيف: إذاً قبل عشر سنوات. قبل أن يستطرد في استذكار حفلات أخرى، لكنه يخفق في تذكّر كم مرّ من السنوات عليها، فيعاود سؤال زوجته عن عمر ابنة أخرى لهما: كم عمر نادية الآن؟ لتجيب الزوجة: اثتنا عشرة! «اثتنا عشرة سنة، وإذا أضفنا عليها عشرة شهور أخرى، قال الموظف، نستطيع القول: قبل ثلاث عشرة سنة تقريباً».
أنسمي ذلك اختبارات للذاكرة، حين نجد في أعمار الأبناء أو الأحفاد وحدة قياس، عندما نخفق في تذكّر السنة أو التاريخ الذي جرى فيه حدث نحن بصدد تذّكره، فنجعل من سنة ميلاد الابن أو البنت علامة مرشدة تدلنا عليه.
الجواب نجده في العنوان الذي اختاره تشيخوف لقصته: «تواريخ حيّة».

جريدة الخليج

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu