You are currently viewing محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم – بقلم ساسي جبيل

محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم – بقلم ساسي جبيل

محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم محمد الجزيري: الشعر مسحة حلم – بقلم ساسي جبيل

يعتبر الشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري من الشعراء المخضرمين في المشهد التونسي، إذ تميزت مدونته بالتنوع والاختلاف، وهو ما أكسبه شخصية أدبية مميزة، خاضت التجريب وكتبت في مختلف الأغراض ونشرت العديد من المؤلفات التي استقبلها النقاد باهتمام بالغ.
في هذا الحوار لـ«الاتحاد الثقافي»، يتعرض الشاعر إلى الترجمة وحضور الشعر العربي في الأدب العالمي ومدى مواكبة النقد للشعر، وأسباب جفاء العلاقة بين المتلقي والشاعر، إضافة إلى الحديث عن مدى حضور وتوهج الشعر العربي في هذا العصر.

* ترجمة الشعر في أيامنا هذه، هل باتت مجدية في ظل انتشار الترجمات الإلكترونية الفورية، أم أن دور المترجم يبقى أساسياً؟
– يقال إن الترجمة خيانة، خاصة إذا كان المُترجَم هو الشعر، فالشعر كان وما يزال مفعماً بالدلالات والمفاهيم، لا يمكن ضبطه أو حصره في نمط معين، وإن كان للمترجم دور أساسي لفهم ونشر الشعر في العالم.. فلا تخفى أهمية دوره في تقريب القارئ مهما كان عرقه أو أصله أو لغته، من الشعر الصافي، رغم صعوبة ذلك.. فالشعر كما قلت مراراً من قبل، صعب على الفهم والشرح والتفسير، ثم إنه عكس النثر.. لا يستعمل أدوات النثر لكي يترجم مثله، فللشعر طقوسه ولغته ورموزه، ويبقى دور المترجم مهماً وجوهرياً رغم صعوبة مهمته، فهو كالمحسود على شيء لا يحبه ولا يريده!

* هل هناك حضور للشعر العربي في مدونة الشعر العالمي؟
لكل أمة شعرها وشعراؤها، هذا أمر طبيعي، فاللغة أمنا وديدننا، واليوم أعتقد أن فرصنا في الانتشار والتعريف بشعرنا ذي القيمة العالية، تبدو ضئيلة للغاية، فالعالم لا ينظر إلينا بشكل كاف، رغم أنه يعلم أننا أحفاد شعراء كبار وعظام مثل المتنبي وأبي تمام وأبي نواس، وغيرهم الكثير، كما أننا أبناء شعراء أفذاذ كالجواهري وعبدالرزاق عبدالواحد ومحمود درويش وأبي القاسم الشابي، والقائمة تطول.. ولكن العالم غير مطمئن لنا، حتى بعد أن درس شعر بعض المبدعين العرب لسنين خلت، ومنهم مثلاً أدونيس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.. ولكن بعض العالم اليوم يشير إلينا كمتطرفين، وهذا نتيجة ما اقترفته جماعة «الإخوان» الإرهابية من جرائم، حيث استهدفت تخريب دول ومجتمعات.. وعلى كلٍ.. يبقى الشعر العربي ذا قيمة عالية وذا موسيقى خاصة به، وربما يأتي اليوم الذي ينظر فيه الآخرون إلى إبداعنا بشكل أكثر اهتماماً.

* ما رأيكم في المدونة الشعرية العربية المعاصرة؟
ذهب الكبار.. وثمة من يبحث عن مخرج للقصيدة العربية، ويسخّر حياته لخلق كلمة شعرية وشعرنة العالم.. وإضفاء مسحة من الحلم على الوجود، جاهداً في تقديم الإضافة للمدونة الشعرية العربية، ديدنه البحث في غابة الأبجدية عن أشجار لفظية تقود العالم الموعود بالحروب والصراعات والتحديات.

ونرجو أن ينجح هؤلاء في تعريف العالم بشكل جديد لم يتطرق إليه الآخرون من قدامى ومعاصرين، فهناك من يؤمن بشعرنة الوجود ولا يكف أبداً عن العناد.. وسنرى من ستكون له الغلبة.

*.. وهل لا يزال للشعر العربي حضوره وتوهجه في هذا العصر؟
سؤالك قد يثير البكاء، مَن يستمع إلى الشعر الآن؟، صرنا نستمع إلى بعضنا بعضاً.. المادة صارت كل شيء بالنسبة لإنسان هذا العصر.. أذكر أنه كان للشعر منذ نهاية القرن العشرين جمهور وأتباع ومريدون، كما كانت مهرجانات كثيرة داخلياً وخارجياً في كامل أنحاء العالم تحتفي بالشعر والشعراء، ولكنها اختفت أو تقلصت بشكل رهيب، والكل صار يركض خلف رغيف الخبز أو ما يثري رصيده البنكي.. وأظن أن الشعر تقلص محبوه، فالشعر صار في عصر الإنترنت وأدوات التواصل المحمومة علامة من الأبهة والتفاخر باللايكات أو الإعجابات، في حين يكتب الشاعر أجمل القصائد، ينحتها من لحمه ودمه ويمضي، فمن كان يؤمن بالشعر فهو ينظر للربداع من منظور مختلف.. أما من كان يؤمن بالتفاخر والتنابز بالألقاب، فذاك أمر آخر، فالشعر ما قال الفتى لفتاته.. مثلما قال محمود درويش.

* هل واكبت الحركة النقدية إبداعات الشعراء العرب بالشكل الكافي؟
أعتقد أن الحركة النقدية كانت وما تزال مختصة في رثاء الموتى والنفخ في الجثث، وكأن الناقد وجد الصورة والكلمة والمعنى عند فلان المتوفي وانتهى الأمر، ولكننا صرنا نقرأ مجلدات مطولة عن «شعراء» جدد يقولون الشعر ووجدوا آذاناً صاغية.. لسبب ما، أو رأيناهم يتمسحون بأعتاب كائنات غريبة تكتب بأحمر الشفاه.. وقلنا وما زلنا إن النقد اتجه صوب النقود والزنود والمكاسب الفورية، ولكننا ما زلنا محلقين في سماء الحلم، ليأتي يوم ينتصر فيه الشعر على الوهم.

كلمات حرة
* في نهاية هذا الحديث…هل من كلمة شعرية حرة؟
– آخر ما نختم به من مدوّنتي الشعرية:
«كذبوا عليْ
وتزاحموا حولي لأنسى أنّني وحدي
وأنسى أنّهم ليسوا رفاقي
أين منهم ما تضجّ به البنفسجة المحوطة بالطحالبِ
أين منهم غيمتي ومدار أغنيتي
وإن كانوا سياجاً لي
أقاسمهم على مضض زماني
أين منهم ما اجترحت من المعاني
أين منهم ما أضمّ وما أُعدّ وما أرى
هم باعة متجوّلون
دوابهم أهلي
بضاعتهم بلادي
باعة متجوّلون
تركتهم في الظلّ يقتسمون محصول المديح
ويملأون بطونهم بحروف اسْمي والعلفْ
كم حاولوا أن يقتفوا أثري لمحوي
واكتفوا كرهاً
بمضغ حروف اسْمي في الزوايا والغرفْ
لن يقدروا أن يقتفوا آثار حزن جامح
لن يقدروا أن يقتفوا أثر التحامي بالمنارة
وهي تسقط
وامتزاجي بالدم المسفوك في غيمات أهلي
وانصهاري في غياهب نقمتي
لن يقدروا أن يقتفوا أثر ارتفاعي بالكلام إلى كلامي
باعة متجوّلون
تعلّموا كلّ اللغات وما استطاعوا نسخ ظلّ قصيدتي
سيحاولون مُجَدّداً
وسيخسؤون ويقنعون من الغنيمة بالأسفْ
فأنا الألِفْ».ش

جريدة الاتحاد

اصداراتنا

العويس الثقافية