You are currently viewing إلياس لحود شاعر لبناني متمرد يرفض أن يكرر نفسه – بقلم محمد الحمامصي
الياس_لحود

إلياس لحود شاعر لبناني متمرد يرفض أن يكرر نفسه – بقلم محمد الحمامصي

إلياس لحود شاعر لبناني متمرد يرفض أن يكرر نفسه – بقلم محمد الحممصي

 

تتمتع تجربة الشاعر اللبناني إلياس لحود بثراء كبير، سواء من حيث كتابته بالفصحى والعامية أو من تعدد أساليبه الشعرية التي رسخها على امتداد أكثر من نصف قرن من كتابة الشعر، فتميز مشروعه الشعري من خلال تناوله لمختلف القضايا الذاتية والوطنية والإنسانية، بأسلوب شعري متطور وتشكيل هندسي بنائي أعطاه حضورا متميزا في التجربة الشعرية المعاصرة، وجعله يتوج أخيرا بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في حقل الشعر.

تتمتع تجربة الشاعر اللبناني إلياس لحود بثراء عريض على مدى أكثر من نصف قرن، وقد تميزت بتناول القضايا الذاتية والوطنية والإنسانية، واستخدامها أسلوبا شعريا متطورا وتشكيل هندسي بنائي أعطاها ولصاحبها حضورا متميزا في التجربة الشعرية المعاصرة، وهذا ما أكدت عليه جائزة العويس الثقافية في تقرير لجنتها التي منحته جائزتها في حقل الشعر بدورتها السابعة عشرة.

وأضافت اللجنة في قرارها “تبرز في نصوصه تقنيات متعددة في اللغة والصورة والدلالة والانزياح والترميز وغيرها من الظواهر، في تفكيك المألوف وتشريح البنى اللغوية إلى وحدات ذات مساحات دلالية وشعورية واسعة، وأوجد له نظاما صُوَرِيّا متنوع التقنيات، ممتلئا بالابتكار والدهشة معتمدا على الأسطورة، مستعينا بشكل كبير بالأسلوب الحواري والسرد الشعري في أطر لافتة”.

التمرد والفكاهة

ضم كتاب الفائزين الذي أصدرته المؤسسة شهادة الشاعر اللبناني وقد جاءت كاشفة لتفاصيل مشروعه الشعري وتجلياته انطلاقا من بداياته الأولى، يقول: “بدأت كتابة الشعر صغيرا في حوالي العاشرة من عمري، كتبت بعض القصائد بالفرنسية، قبل أن أنتقل إلى الكتابة بالعامية والفصحى التقليدية. عندما بلغت الرابعة عشرة، كنت قد أنجزت مجموعة من القصائد سميتها آنذاك ‘أعياد الخريف’ لكن الناشر رفض أن ينشرها؛ وحين بلغت السابعة عشرة، أضفت إليها قصائد أخرى، وأعدت تنقيحها، وسميتها ‘القصائد الحزينة’، ولكن عند طباعتها في العام 1962، غيرت اسمها ليصير ‘على دروب الخريف‘”.

ويقول “هذا كان ديواني الشعري الأول الذي يحمل تجربة أولى، هي في جوهرها، رومنطيقية، حالمة، تحمل الطبيعة في سطورها، قدم لها فؤاد جرداق، الذي قال في تقديمه ‘وإنني أتنبأ للحبيب إلياس بمستقبل باهر لا يتهيأ إلا لمن تذوّق الفن والجمال في عالم الشعر والأدب‘، وما قلت في هذا الديوان ‘قصيدة على دروب الخريف‘: يا دروب الخريف البعيده،/ما تذكرين متاها لقلبي؟/أزاهيره للحياة الشريده/على كل نسم.. على كل درب/ يا دروب الخريف البعيده/ترى تذكرين متاها لقلبي؟”.

ويضيف لحود “كان ميلي إلى التجديد في الشعر كبيرا، وقد بدأ يتجلى شيئا فشيئا منذ هذا الديوان الأول في بعض المحاولات في القصائد مثل ‘يحكي لنا تشرين‘، و‘الدموع‘ و‘رياح الخريف‘، و‘الرياح المحترقة‘، وغيرها. وعندما صدر ديواني الثاني ‘والسد بنيناه‘ في العام 1967، وكان السد العالي في مصر على وشك أن ينتهي، بدأت تجربتي السياسية تظهر إلى العلن، ويظهر فيها التزامي بالقضايا العربية، قبل النكسة وبعدها، فعاصرت قصائدي نكسة حزيران، وتمت في هذا الديوان نقلة في لغتي الشعرية، كما في بناء القصيدة أيضا، حيث نجد بوضوح لغة فيها الكثير من الملحمية، وقصيدة راحت تتحلل من الشكل التقليدي، لتعتنق الحداثة”.

 ومما قال في هذا الديوان “قصيدة والسد بنيناه”: يا بلاد النيل غني/للجباه القرمزية،/واتركي في مسمع الدنيا نداءات قوية/وابعثي إنسانك القابع في ليل الكهوف/عله يتعب هذا الشرق من ليل الوقوف”.

ويقر بأنه بعد قصيدة “والسد بنيناه” بدأت تتجلى في شعره تجربة جديدة لازمته طويلا، حيث حلت الفكاهة في الشعر سلاحا يواجه به المأساة؛ لكنها ذات فعل مهمّ، وعنصر من عناصر المقاومة. هذه الفكاهة طبعت، كما يقول، تجربته الشعرية في مرحلة طويلة لاحقة، ولكنها بدأت في ديوانه الثالث حيث كانت واضحة المعالم، مع أنها لم تنضج وتتسع وتحتضن الواقع المرير بكامل مصاعبه إلا فيما بعد.

يقول لحود “لقد كانت مرحلة ديوانيْ ‘فكاهيات بلباس الميدان‘ و‘ركاميات الصديق توما وأغاني زهران‘ متكاملة، حيث جاء الديوان الأول الذي نشر في العام 1974 ظاهرة جديدة في الشعر العربي آنذاك، وتجلت فيه ظاهرة التدوير في القصيدة، وكانت قليلة عموما أو شبه معدومة، وبداية السخرية الواضحة الفظة في وجه الواقع؛ كما عبّرت فيه عن تمردي على اللغة الأنيقة التي لا ترقى أحيانا إلى مستوى التجربة، ومع اشتداد صعوبات الواقع ومشكلاته خلال الحرب اللبنانية بدأت هذه السخرية تنضج أكثر في ديواني ‘الركاميات‘ الذي نشر في العام 1978، واحتضن مآسي الجنوب، ومأساة الوطن. وعلى الرغم من أن هذه التجربة كانت تحتوي على تقدمي، دفعت ثمنه خلال الحرب اللبنانية، إلا أنها ظلت مميزة في شعرنا، في تلك المرحلة”.

ويرى لحود أنه في دواوينه “المشاهد” (1980)، و”شمس لبقية السهرة” (1982) و”الإناء والراهبة”، تبلورت هذه السخرية وهدأت، واتخذت لها شكلا أكثر رصانة، حيث تناولت خصوصا في “المشاهد” مأساة الجنوب اللبناني مع المحتل الإسرائيلي، ونجد أن شكل قصيدته قد تبلور أكثر، في لغة أهدأ من قبل، وأبعد عن الفوضى التي تقصّد أن يحدثها في دواوينه السابقة.

يقول: “لقد كنت أحاول دائما أن أخرج من الاهتمامات المباشرة التي ظهرت في شعر شعراء الجنوب، من غير أن أسقط الجنوب الذي يسكن قلبي، وخصوصا بلدتي مرجعيون، من القصيدة. تناولت همومه من خلال ذات ترى العالم بطريقة جديدة، لا تشبه نظرة سواي. هنا كان اختلافي الرئيس عن الشعراء الآخرين من رعيلي. لقد ذابت مأساة الجنوب في ذاتي، وظهرت مختبئة في ثوب همومي، تطل من ثقوبها آنا بعد آن. وكانت السخرية الممزوجة بالجدية المأساوية وسيلة أسلوبية لي تناسب اللاعقلية التي تقوم عليها قصيدتي، ولكن من غير أن تخرج من الواقع”.

قصائد صادمة

بعد هذه التجربة جاء كتاب “مراثي بازوليني” الذي نشره الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في عمان عام 1994، يقول لحود “هو كتاب مميز في تجربته وفي لغته الشعرية التي، وإن كانت تختلف عما قبلها في انزياح مسألة الفكاهة من القصيدة، إلا أنها تحمل بصمات شخصيتي. كتبت هذه القصائد بين 1979 و1997. ففي الطبعة الأولى كان هذا الديوان خاليا من ‘المرثية الثامنة‘ التي تحمل عنوانا فرعيا ‘أناشيد لقانا أو بغداد‘، إذ أضفت هذه المرثية فيما بعد في العام 1997، إلى المراثي السبع السابقة التي صدرت في العام 1994 وأعدت طبع هذا الديوان وهي فيه”.

ويتابع “بطل هذه المراثي شاب طالب جنوبي كان في صفي، يدعى ‘ماهر فاعور‘ أخذته معنا في السيارة ذات يوم من شهر آب إلى الجنوب، واستشهد في ذلك اليوم، هكذا صار ماهر رمزا للمقاوم الذي يواجه العدو في منطقة الجنوب ‘في المراثي الأولى السبع‘،توسع المعنى في ذهني ليصير ماهر رمز كل مناضل عربي على امتداد عالمنا من المحيط إلى الخليج. لهذا السبب ربطته بزرياب المغني ‘في الأندلس‘، وربطت صيدا بقرطبة وغرناطة. هذا الديوان يمثل تجربة الشهادة بامتياز، فهو يدور حول هذه المسألة، بلغة ملحمية إلى حد كبير، وإن كان بعضها قريبا من لغة دواوين أخرى، إلا أنها في هذا الديوان كانت لها نكهة أخرى، وشخصية خاصة بها”.

ويضيف لحود كاشفا عن تفاصيل تجربته مع “سيناريو الأرجوان” و”أيقونات توت العليق”، تبدأ مرحلة جديدة من تجربتي الشعرية. فالنص، هنا، يعود إلى رؤيتي العامة في لباس السخرية الرصينة، كما كانت الحال في “الإناء والراهبة”، أو في “شمس لبقية السهرة”، ولكن إضافة جوهرية تتم هنا في رؤيتي إلى الأمور.

ويقول “الديوان الأول مجموعة من مشاهد لأصدقاء أو لأشخاص عرفتهم بطريقة أو بأخرى، آخذ منهم أبرز صفاتهم التي تكشف عنهم، وأعيد تصويرهم بطريقة ‘نيغاتيف’ الصورة، فتنعكس ظلالهم في الكلمات التي تنقلها كأنها ظلال ترى ولا ترى. وهذه تقنية شعرية تضاف إلى تقنيتي السابقة، وكذلك الأمر في ‘أيقونات توت العليق‘ حيث تأتي الشخصية العامية العادية لتتقمص عمل الشخصيات العربية الكبيرة، كما هي الحال مع شخصية ‘برنار‘. هذه التجربة الجديدة التي تطورت معها لغتي الشعرية أكثر، تمت في مرحلة سياسية تختلف عن المرحلة السابقة، وتتسم بالتراجع في القضية العربية العامة، وفي المسألة اللبنانية”.

ويشير إلى أنه في ديوانه “قصائد باريس” أعاد رسم المدينة الباريسية من خلال عيني شاعر شرقي لبناني، ويقول: “أزاوج بين الضوء والحركة والشكل واللون، فهي ليست باريس التي يعرفها الناس، بل تلك التي أراها أنا بعد رسمها بطريقة أخرى، من خلال ذاتي. وما هو لافت في دواوين هذه المرحلة، وكذلك في دواويني السابقة، منذ ‘فكاهيات بلباس الميدان‘ هو عنصر المفاجأة؛ فأنا في جملتي الشعرية، أبدأ معك بالمألوف لآخذك بشكل مفاجئ إلى حيث لا تتوقع أبدا أن تصل، أو تقوله الجملة. من هنا أنا أتمرد على اللغة وعلى الشعر المألوف. هذه طبيعتي، أنا لا أقبل بالأمور كما هي، ولا أرضى بما هو جامد، ثابت. يجب أن يكون كل شيء متغيرا ومتحركا. هكذا كنت أعلّم تلاميذي الذين برز بينهم شعراء، وهكذا أعمل على شعري ولغتي الشعرية”.

ويعترف لحود “هذه تجربتي مع اللغة الشعرية والقصيدة العربية. لقد أتقنت صناعة الشعر التقليدي، ولكنني لم أقبل بأن أسقط أمام أسواره العالية، بل اخترقتها واخترقت لغته لأبلغ مكانا آخر من الشعر، أعثر فيه على ذاتي المختلفة. كنت دائما ولا أزال أريد أن أكتب قصيدة مختلفة، ولا بد لهذه القصيدة من لغة وشكل مختلفين. هذا لا يمكن العثور عليهما في الشعر التقليدي لأنه يقيدك بشكله ولغته. هذا ما علمته لتلاميذي، وهذا ما طبقته في شعري. يجب أن تكون مختلفا في كل شيء إذا أردت أن تكتب شخصيتك المميزة التي لا تشبه الآخرين، بكامل خصوصيتها“.

وفيما يتعلق بمرحلة القصائد العامية في تجربته يكشف لحود “تعود إلى مرحلة الصبا، إذ كان والدي يقرض الشعر العامي، وأخذته عنه، وأنشدت هذا الشعر منذ نعومة أظافري. ثم تطور هذا الأمر فيّ، مع تطور تجربتي اللغوية. كان هدفي أن أنقل تجربتي العامة في الشعر بهذه اللغة أيضا: بالعامية. وإذا نظرت في قصائد المجموعات الأربع المكتوبة بالعامية ‘عقد فرسان‘، ‘براويز قصص‘، ‘جسمك عرس‘، ‘ولد ختيار‘ وجدت معالم اللغة الفصحى التي استعملتها في دواويني السابقة نفسها هنا، ولكن بالمحكية اللبنانية”.

ويتابع الشاعر “هذا يعني أن الشعر شعر، سواء أكتب بالفصحى أم بالعامية. هذه الدواوين الأربعة، إذن، تمثل جزءا لا يتجزأ من تجربتي الشعرية، كما لفت د. ديزيره سقال في كلامه عليها ‘مقدمة الجزء الرابع من أعمالي الشعرية الكاملة’. وهذا صحيح جدا، لأنني كنت أريد فيها أن أكشف عن تجربتي العامة بلغة هي غير الفصحى: لغة نقولها كل لحظة، ونتواصل بها كل لحظة، وننقل أفكارنا من خلالها. ولكن هذه اللغة التي أستعملها ليست كلغة الشعراء العاميين المألوفة، بل هي، شأنها شأن لغتي الفصحى، تأخذك إلى حيث لا تتوقع، وتبني لك جسرا مع الخيال الغريب”.

ويؤكد لحود “قصائدي قصائد صادمة، سواء أكانت بالفصحى أم بالعامية. وهي قصائد تشكل نظاما من الكلمات ضد الذاكرة، يخالفها ويكون مغايرا عنها، لأنه يرفض المألوف ويقفز فوقه. هذا ما أردته أيضا لشعري باللغة المحكية. وهكذا يمكنني أن أقول إن تجربتي الشعرية نمت وتكاملت عبر دواويني؛ بل أكثر: أستطيع أن أقول إنني لم أكرر نفسي في أيّ من كتاباتي. كانت كل مرحلة تضيف جديدا إلى تجربتي لكي توسعها فتكون أهلا لتطير في سماء الشعر”.

 

إلياس لحود شاعر لبناني متمرد يرفض أن يكرر نفسه – بقلم محمد الحممصي

صحيفة العرب

العويس الثقافية