في «ليل الجدَّات».. خفايا وأسرار – بقلم خلود الفلاح

في «ليل الجدَّات».. خفايا وأسرار – بقلم خلود الفلاح

في كتاب «ليل الجدَّات» للقاص الليبي محمد المسلاَّتي نقرأ حكايات الجد محمد عبد السلام والجدة رحمة علي بزامة الممزوجة بخلطة سحرية للحكي.. حكايات كان لها الفضل في شغف محمد المسلاتي بفن القصة القصيرة، حيث حكاية الجدة والجدة المسكونة بلحظاتهما وأسرارهما، وأفراحهما، وأماكنهما، وأنفاسهما.

هذه الكتابة هي محاولة لاستعادتهما مع كل الذين شاركوهما، وتقاسموا معهما زمناً مر ولا يزال مندساً فينا يحَرك أعماقنا، ويشكل ذاكرتنا، إلى أن نصير بزماننا، وكل تفاصيلنا حكايات يرويها من يجئ بعدنا.

حكايات «ليل الجدات» تتسع للأسرار والأفراح والشوارع والأزقة، وللبيت القديم وللعفاريت، ولتحذيرات الجدة الدائمة ولسعدة العرافة، وللقميص الذي ضاع ليلة العيد، وللأصدقاء، وللكثير من التفاصيل التي يستحضرها الكاتب، وكأنها حدثت بالأمس القريب، أو كأنه يدون ذاكرة الجدة الشفهية.

بهذا الكتاب يرى القاص محمد المسلاتي أن من أصعب المغامرات أن نحيا طفولتنا مرتين، ونعيش حياتنا أكثر من مرة، وهذا ما تفعله بنا الحكايات.

والغريب هو أن ذاكرة الطفولة لم تبهت، أو تنطفئ، بل يشعر الكاتب أنها تزداد اشتعالاً وتوهجاً كلما تقدمت سنوات العمر، وكأن الشيخوخة تقودنا إلى الطفولة من جديد.

حكايات المسلاتي ذاكرة لعدة تجارب إنسانية تتخطى حدود المكان لذاك الصغير، لتشتمل على عوالم مختلفة بمضي الزمن.

بدأت القاص محمد المسلاتي كتابة هذه الحكايات العام 1973، للإذاعة المسموعة ضمن برنامج عنونه بــ«الحكايات» وهذه الحكايات كما أخبرني المؤلف في حوار لي معه ليست مجرد تاريخ لمدينة بنغازي، بل هي محاولة لاستعادة كل تفاصيل اللحظة وملامح الوجوه والتفاعلات الاجتماعية، لأولئك البشر الذين سكنوا بالمدينة وسكنتهم، محاولة لاستعادة إيقاع الحياة داخل النص.

الحكايات لم تتوقف عند مدينة بنغازي، فهي لا تتأطر بالبعد الجغرافي لأنها تنطلق إلى الشخصيات التي عاشت وتعيش بهذه المدينة، تفتش عبر أعماقها وترحل مع ذكرياتها.

فكل حكاية تفضي إلى أخرى، وكل شخصية تفضي إلى شخصية أخرى، وإلى مكان آخر وزمن آخر، ومن كل حكاية تتولد عشرات الحكايات في عالم لا متناهي بما يحقق الاستمرارية للنص ولزمن الحكاية.

أثناء قراءتي للكتاب عشت مع الحكايات زمنها، وتخيلت صورة الجدة بملامحها الصارمة، ومعتقداتها التي لا تزال تعيش بيننا في القرن الواحد والعشرين، فكل شيء في هذه الحكايات ممتع، ويحفز، وفي انتظار الجزء الثاني منها.

صحيفة الرؤية

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu