نظّم اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة أمس الأول، بقاعة أحمد راشد ثاني، محاضرة بعنوان «غواية الكتابة إلى بغداد»، قدمها الناقد والباحث العراقي الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، وسط حضور كبير لعدد من المثقفين العراقيين الذي قدّموا إسهامات أثرت المحاضرة التي اتخذت طابعاً حوارياً بتقديم ومداخلات وأسئلة قام بها الروائي العراقي شاكر نوري، ليحلّق معها الموسوي بعيداً إلى أعماق تاريخ وأمجاد عاصمة الخلافة العباسية  .

تناول الموسوي خصوصية بغداد، وبنيتها التي أثرت في تكوين عقلية معينة عند «البغداديين»، الذين هم سكان بغداد من الأصلاء، حيث صارت لهم سمات معينة وطرق لباس وكلام أطلق عيه اسم «التبغدد» أو «البغددة»، أي العيش على الطريقة البغدادية، فالمدينة التاريخية قد فرضت خاصية معينة جعلت أهلها يختلفون عن غيرهم  .

وأشار إلى أن هنالك عوامل جغرافية وسياسية واقتصادية وتجارية وتاريخية وثقافية، ساهمت في تكوين بنية المدينة وصنعت خصوصيتها، وكوّنت شخصية سكان مدينة بغداد، ويرى الموسوي أن «البغداديين» ليسوا هم فقط سكان بغداد القدامى  .

فبغداد كمدينة قد شهدت تحولات كبيرة منذ أن شيدت سنة 762م على يد أبي جعفر المنصور، وشهدت توسعاً كبيراً، وهذا التوسع يعني قدوم عدد من البشر من الأنحاء الأخرى، سواء من داخل العراق أو من خارجها، بالتالي أصبح هؤلاء القادمون الجدد جزءاً من سكان بغداد بالتالي يتبغدد هؤلاء الجدد، وهذا يعني أن المدينة لها شخصية تفرض هذه الخاصية، وهي التي تجعل أهلها يختلفون عن غيرهم  .

ولفت الموسوي إلى أن عدداً من الشعراء والمؤرخين قد تناولوا هذه الخصوصية مثل صفي الدين الحلي الذي تحدث عن أدب وشعر أهل بغداد، وكذلك ابن الأثير الذي تحدّث عن طبيعة أهل بغداد، وعن أغانيهم الخاصة بهم، ولأن المدينة قد تعرضت لتحولات كثيرة في تواريخ مختلفة فقد كان استدعاء الماضي والحديث عنه جزءاً من الذاكرة البغدادية على الدوام، خاصة عند الحنين إلى فترات زاهية في تاريخ المدينة  .

وتناول الموسوي طبيعة المدينة في العصور الحديثة وما حفلت به من منتديات ومقاه وشوارع ومطاعم مسلطاً الضوء على طبيعة المجتمع البغدادي، والتقاء الناس في بيوتهم والمنتديات، وتداخل العوائل دون مرجعيات دينية أو إثنية ودون تقسيمات طائفية، فبغداد قد شهدت اختلاطاً وتبلوراً وتشكل فيها مجتمع خاص ومنسجم، رغم الاختلافات الدينية والمذهبية، ويرجع الموسوي ذلك إلى طبيعة بغداد التي لم يكن لديها تركيبة إثنية أو عرقية معينة، وأشار الموسوي إلى خصوصيات عدد من المدن العراقية مثل البصرة وغيرها من المدن، ويرجع الموسوي بذاكرته إلى بغداد في نهاية القرن العشرين ليذكر كيف أنها كانت مدينة واسعة حفلت بالمظهر العصري في شكل الطرق والمقاهي.. إلخ  .

وذكر الموسوي أن عدداً كبيراً من الكتّاب والأدباء قد استوحوا بغداد في أعمالهم الأدبية، مشيراً إلى أن طبيعة ذاكرة المدن تتميز بأنها قوية وحديدية، وأن بغداد قد أنجبت الكثير من الأدباء والشعراء والمبدعين الذين عرفوا بأنهم بغداديون لهم منتوج بغدادي في الأدب والشعر والرواية، وأن بعض الشعراء العراقيين الكبار أمثال سعدي يوسف وبدر شاكر السياب لم يتمثلوا بغداد ولم يكتبوا عنها ، بينما كتبوا عن مدنهم وتمثلوها مثل البصرة التي كانت حاضرة في أشعار السياب وسعدي يوسف، بينما كتب الأدباء «البغاددة» عن بغداد مثل جواد سليم وفؤاد التكرلي كما في روايته وقصصه القصيرة وعوالم أدبه ومشاهده البغدادية، وكذلك عبد الملك نوري فقد كان الإطار العام في كتاباته بغدادياً  .

ويشير الموسوي إلى استعادة المدينة في كتابات علي بدر خاصة روايته «بابا سارتر» التي تستعيد المدينة وأحياءها ومقاهيها، فالكيان العام الذي يمسك بتلابيب السرد هو كيان مكاني بغدادي، واستعرض الموسوي أسماء كثير من الكتّاب الذين تمثلوا بغداد وكتبوا عنها واستدعوها بكل الأنماط في كتاباتهم، وفي كل مراحلها وجوانبها في فترات قوتها وتراجعها بفعل الظروف المختلفة  .

قام الموسوي بالتعريج على الكثير من الأحداث التي شكلت التاريخ والشخصية البغدادية، وكيف أنها كانت جاذبة للغزاة حيث إنها سقطت 44 مرة، وذلك لموقعها الجغرافي والتاريخي ولخصوصيتها الحضارية المغرية للغزاة  .

وشهدت الندوة العديد من المداخلات التي أثرت النقاش في حديث ذي شجون عن المدينة التاريخ  .

وفي ختام الحفل قام كل من أحمد العسم، ومحسن سليمان من اتحاد الكتّاب بتكريم محسن الموسوي، وشاكر نوري مقدم المحاضرة

جريدة الخليج

 




التعليقات