في مرافعاته القانونية البليغة، تأخذ اللغة العربية، صرفاً ونحواً، حيزاً كبيراً من الاعتبار والأهمية على لسان المحامي ناجي بيضون. «اللغة الصحيحة كتابة ونطقاً، تكشف عن شخصية صاحبها، والتزامه ليس فقط بأخلاقيات الحياة، إنما أيضاً بأخلاقيات الأدب». يقول ناجي، وعلى هذا المبدأ أصدر أخيراً عن «دار الفارابي» كتابه الشعري عن علوم الصرف والنحو بعنوان «الألفية العصرية في قواعد اللغة العربية.. 66 أغنية لتعلم الصرف والنحو»، وبهذه الأغنيات- القصائد يكذّب المحامي والشاعر واللغوي القول المعروف «أجمل الشعر أكذبه»، ليؤكد أن أعذب الشعر أصدقه وأعدله، إن كتب بلغة سليمة بسيطة تصل آذان القارئ بلا حواجز، فتمس عواطفه وتترسخ في عقله لتنهي قلمه ولسانه عن الخطأ كتابة وكلاماً. كتاب للجميع، شعري، علمي، لغوي، تربوي يليق بأهمية لغة الضاد، التي تكاد تفقد كل قواعدها حتى لمدرسيها، أمام غزوات وسائل التواصل الاجتماعي وما تملكه من أدوات تخرّب العقل وتغّرب اللسان عن مفرداته الأصيلة .

في مواجهة هذا الواقع، يأتي كتاب «الألفية العصرية».. محاولة جادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يجفّ حبر «الضاد» ويدخل في عداد اللغات المنقرضة. كيف تمكن صاحب «كاريكاتور بالكلمات»، وغيرها من المؤلفات الساخرة، أن يكتب قواعد الصرف والنحو شعراً؟ لماذا تولى هذه المسؤولية التعليمية والتربوية في زمن اللغات المعولمة؟ وهل هناك قارئ عربي مازال يهتم بهذه القواعد؟ أسئلة كثيرة يجيب عنها المحامي ناجي بيضون، انطلاقاً من شغفه بلغة يريدها سليمة نقية من لغات متداخلة تشوه جمالها وبلاغتها .

* ما الذي دفعك إلى مغامرة شعرية تفترض الكثير من الجهد والابتكار، خصوصاً أن موضوعها علمي ولغوي شائك ومعقد؟

هي مغامرة إن شئت ذلك.. لكنها مغامرة حلوة ولذيذة تؤكد عشقي للغة العربية، واستعدادي للدفاع عنها صوناً لها، بما أملكه من أسلحة معرفية ولغوية، لتبقى دائماً أحلى اللغات وأكثرها قدرة على التطور بما يتلاءم مع العصر، شرط الحفاظ على أصالتها وقواعدها .

* لكن المغامرة تفترض المخاطرة بالوقت والجهد، خصوصاً أنك تكتب قواعد الصرف والنحو شعراً؟

صحيح.. لكن ما يغريني أن هذه المغامرة التي استغرقت مني وقتاً طويلاً من البحث والاستشارة، انتهت إلى كتاب أفتخر به كونه شعراً وعلماً وتربية، باختصار تلذذت بهذه المغامرة وأفتخر بها .

* يبقى السؤال الأهم: لماذا الكتاب وما الغاية منه؟

التشوهات التي أصابت اللغة العربية في السنوات العشر الماضية، ومع استفحال غزوات وسائل التواصل الاجتماعي، وتسيّدها لغتنا، وجدت نفسي بين قلة، في معركة الدفاع عن اللغة العربية، في نحوها وصرفها وكتابتها ونطقها .

* لكن الناس، وخصوصاً الأجيال الجديدة منها، لا تقرأ النثر فكيف بالشعر؟

قصدت كتابة قواعد اللغة العربية من خلال أناشيد شعرية بسيطة حتى يتمكن القارئ مهما كان عمره ومستواه الثقافي، من حفظها بدل الوسيلة الجافة المستعملة حتى الآن في المدارس والكليات. أظنني اعتمدت ألفية ابن مالك، مع فارق بسيط إن لغتي بسيطة، سهلة ومهضومة، تمكن حتى الأطفال من حفظها كأناشيد تعلق في أذهانهم وعلى حناجرهم .

* أي أنك أردت من خلال كتابك التثقيف والتوعية وبالتالي الحفاظ على لغة الضاد ؟

- إن أخطاء الصرف والنحو تكثر في الكتابة كما في الخطابة، لدى كثيرين من الناطقين باللغة العربية، حتى لدى المثقفين منهم، وعلى جميع المستويات، و هناك من يصرّ على استبدال الحروف العربية باللاتينية، وخصوصاً في الرسائل الإلكترونية. وما يزيد الطين بلة، إن اللهجات المحلية تشوّه هي الأخرى اللغة العربية، وهو وضع خطر قد يكرّس التقسيم بين الشعوب العربية، اعتباراً من علاقة اللغة بالهوية، بل إن اللغة - كما يرى اللغويون، هي التي تحدّد الهويات وتحميها .

* في ظل هذه التحديات، كيف نحمي اللغة العربية؟

علمياً، ثبت أن اللغة تموت إن لم يتم استعمالها بالطريقة الصحيحة نطقاً وكتابة، ومعها يموت التراث العربي وتاريخ الأمة. إحساسي بالخطر دفعني إلى التفكير بوسيلة تحمي هذه اللغة وتصونها مما تتخبط به من عثرات وتحديات. وبعد تفكير طويل، وجدت أن الشعر الذي هو ديوان العرب، يبقى الوسيلة الأسهل شرط أن تكون أبياته على قاعدة السهل الممتنع. أي بلغة عصرية سلسلة، وبأسلوب جذاب، وإيقاع يسهل تلحينه وغناؤه، بحيث يخفف من رهبة القواعد وجمودها، ويجعل منها مادة قريبة من قلب المتلقي، مهما كان عمره وبلغت ثقافته، فيقبل عليها بفرح وحماسة .

* يبقى أن أسألك: هل هناك قارئ عربي حتى تقدم له «مغامرتك» التعليمية والشعرية، بهذا الحماس والرقي والاندفاع؟

إن خلت خربت.. رهاني على أن الساحة العربية لا تخلو من هواة القراءة والمطالعة. صحيح أن نسبة القراء في العالم العربي لا تتعدى الاثنين في المئة، وإن نسبة ما تنتجه دور النشر والمطابع العربية من عناوين، يكاد لا يقاس بالعناوين الغربية والآسيوية والإفريقية، إنما هذه الأوضاع يجب أن تحثنا على المزيد من الإصدارات بدل أن نيأس. لدينا مؤلفون مبدعون، يبقي على المؤسسات الثقافية، العامة والخاصة، القيام بدورها حفاظاً على اللغة العربية، وعلى قرائها، هذا إن أردنا حماية تراثنا وتاريخنا وهويتنا من التفكك والضياع .

جريدة الخليج



التعليقات