نظمت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية يومي 12 و 13 أبريل الجاري ندوة ثقافية عن الشاعر الراحل محمد الماغوط بعنوان (محمد الماغوط .. تغريد خارج السرب)،

حضرها الدكتور محمد عبد الله المطوع الأمين اعام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية و عبد الحميد أحمد والدكتور سليمان الجاسم و ناصر حسين العبودي أعضاء مجلس أمناء المؤسسة وجمهور نوعي من الكتاب والأدباء و المثقفين،

حيث أدار الجلسة الأولى الشاعر حبيب الصايغ، مستهلاً الجلسة بوقفة حداد على روح الشاعر أحمد دحبور، ثم رحب بالحضور وأكد على أهمية تجربة الشاعر محمد الماغوط، ومن ثم تحدث الناقد مدحت الجيار  عن الوطن والثورة في شعر الماغوط، حيث أكد أن الحالة الشعرية للماغوط مميزة جداً في تاريخ كتابة (قصيدة النثر)، منذ نشر قصيدته الأولى بمجلة شعر اللبنانية، مع رواد كتابة هذه القصيدة وهو يشارك فيها منذ أكثر من أربعين عاماً من الكتابة المطردة. ولقد وصل محمد الماغوط إلى كتابة قصيدة النثر التي تخصه هو، وكتبها بطريقة مختلفة عن جيله وعن الأجيال التي جاءت بعده. ولعبت مكوناته السياسية والاجتماعية واللغوية والثقافية بوجه عام. ومكونات ذاكرته الطفولية التي اختزنت تفاصيل كثيرة بلا حدود.

واضاف الجيار أن نصوص الماغوط تهتم بعالم خاص يتمحور حول الوطن والثورة. فهو منحاز إلى الوطن في أي مكان يحمي المواطن ويصون كرامته ويتمتع فيه الإنسان بالحرية.

اما الباحث د. حسن مدن  فقد تحدث عن الخطاب السياسي في النص المسرحي للماغوط (المهرج) أنموذجاً. وأكد أن ما يلح عليه الماغوط في "المهرج"، وفي أعماله المسرحية الأخرى هو سطوة القمع وانتهاك الحريات وسلب كرامة المواطن العربي. نقل عنه أحدهم أنه تعرض فترة توقيفه في سجن المزة إلى لطمة على خده، وهي لو قورنت بما تعرض له سواه من أصناف تعذيب تبقى أمراً هيناً، ولكنها كانت كافية لتفجير  بركان الغضب في نفسه على القمع والجلادين، لما يحدثه من انكسارات في النفس، وما يقيمه من حواجز خوف، تجعل البشر يتحولون إلى امعات، فاقدين ذواتهم المستقلة، ومتماهين مع القطيع الذي يسير بالكرباج، ويكون تصيب من ساورته نفسه بأن يخرج عن السرب.

وحسب ورقة مدن ، أن الهزيمة ليست هي تلك التي تتكبدها الجيوش في معارك القتال . الهزيمة الحقيقية، الكبرى، إنما هي الهزيمة الداخلية، هزيمة الإنسان الفرد حين تنخر النفوس واحدة بعد الأخرى وتصيبها بالخراب وفساد المعنويات.  جوهر كل ما يجري هو الوصول بهذا المواطن البسيط إلى هذا المآل البائس ليفقد الأمل في أي شيء، وإن تحقق ذلك، لا سمح الله، فإن الظلام سيطبق علينا من كل الجهات .

أما الجلسة الثانية أدارتها القاصة باسمة يونس، وتحدثت فيها الدكتورة أمينة ذيبان  في بحثها عن : (الشعرية والنسق في أزمة القصيدة الحديثة "الشعر في ملتقى الحدث عن الماغوط") مشيرة إلى أن قصيدة النثر عند الماغوط تخرج شاعرية الحدث قبل شاعرية القصيدة وهذا يعني أن البناء فوقي عند الماغوط فهو يفهم الشعر كما يفهم الحدث الموقف ابتداءً وانتهاءً ومن هنا لا تجد أنها متطرفة في تفسير اللغة الخاصة عند محمد الماغوط وفق ترتيب أبجدي فالقصد من الشاعرية عند الماغوط حدثياً أو متداولاً قبل أن يكون معرفياً أي أن السياسة ومنها الأوامر العسكرية ربما في تجربة الحرب( كحرب تشرين:1973) وغيرها من حروب القطر السوري والعربي واللبناني على وجه أخص رسمت منطق الكاتب ومنطق القصيدة عند الماغوط في زاوية الألم النار  الموت والقطيعة.

كما ذكرت ان قصائد النثر عند الماغوط هي الأهم بين لغة الأدب الشعبي. كأن نتناول أحدى مرثيات الماغوط للأمة أو العرب فيقول في قصيدة "ليل الأزهار" أو كما هى معنونه علناً في ديوانه الاول: الليل والأزهار: ( كان بيتنا غاية في الأصفرار/ يموت فية المساء/ نام على أنين القطارات البعيدة/ وفي وسطه/ تنوح أشجار الرمان المظلمه العارية / تتكسر ولا تنتج أزهاراً في الربيع/ حتى العصافير الحنونه / لا تغرد على شباكنا / ولا تقفز في باحة الدار).

ثم تحدث الشاعر فوزي يمين عن "كاف التشبيه" و"واو العطف" في شعر الماغوط، حيث يستخدم الماغوط كاف التشبيه بشكل كثيف، إذ لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده منه. وهو يستخدمها بطريقة مدهشة وفريدة من نوعها، أشبه بصعقة كهربائيّة، ويوظّفها توظيفاً كاملاً في خدمة مشاعره وأحاسيسه. سواءً كانت تلك المشاعر والأحاسيس رومنسيّة تنزع في حنان إلى عهد الطفولة، أو ذات فجاجة واقعيّة وصاخبة في رصدها لوحشيّة الواقع وعنفه، أو حالِمة في بحثها عن شقّ في الباب أو سفينة في العباب للارتحال والهرب والاغتراب.

  أمّا واو العطف، فإنّ وظيفتها عند الماغوط تغيّرت عمّا هي عليه في العادة، فهي لم تعد تعطف بين شيئيْن مختلفيْن وتجمع بينهما في مَعرِض الكلام، أو بين عامّ وخاصّ في سياق جملة عابرة. وتوقّفت عن كونها أداة تجميع ورباط لحُزمة أسماء ومُسمَّيات، بل أصبحت أداة لوضع شيئيْن، عنصريْن، مفهوميْن، مُتباعِدين، جنباً إلى جنب، لتوطيد علاقة بين ما يبدو متنافراً، بين هادىء وبين صاخب، بين عاديّ مألوف عفويّ في حضوره وبين وغرائبيّ نافر وغير متوقَّع في سياقه الطبيعيّ. وتلت الجلستين حوارات أغنت الأوراق البحثية.

أما في اليوم التالي فقد أدارة الجلسة الثالثة الأستاذة فتحية النمر، وتحدث الدكتور صديق محمد جوهر عن مقاربات نقدية في أشعار محمد الماغوط (صورة الأنا في ديوان "حزن في ضوء القمر")، وأشار  في دراسته أن عظمة الماغوط تكمن كإنسان ومبدع في ارتباطه العضوي الحي بأسطورة الأرض وأسرار النماء على نحو قد لا نجد نظيراً له في الشعر العربي الحديث إلا عند الشاعر المصري محمد عفيفي مطر، لعل أبرزها ما نراه في دواوين الأخير خاصة ديوانيه "الجوع والقمر" و" يتحدث الطمي" حيث يتجلى الموروث الشعبي والخرافات القروية والعودة إلى السلالة .

أما الشاعر حسين درويش فقد جاء ورقته بعنوان (اقتناص المشهد الدارج في شعر محمد الماغوط)، منوهاً بداية إلى أن محمد الماغوط لم ينتم إلى مدرسة شعرية (كما كانت حال الغالبية الساحقة من أفراد حركة مجلة شعر) وهو ما جعل شعراء مجلة شعر ينظرون إليه من زاوية مختلفة ولم يكن سهلاً ضمه إلى تيار أوكسفورد أو السوربون حيث التيار الأنغلو ـ سكسوني من شعراء قصيدة النثر العرب مثل توفيق صايغ ويوسف الخال وإبراهيم شكر الله .. ويقابله تيّار فرنكوفوني يضمّ أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال. وتطرق إلى آلية تخزين المشهد العادي و المألوف في الحياة اليومية ومن ثم بناء صورة درامية كما هي الحال مع جميع قصائده، وأنتهى درويش إلى أن الماغوط لم تتم قراءته بصورة نقدية صحيحة لأن النقد يستخدم أدوات قديمة لقراءة نصوص جديدة و هو (برأيه) ليس في صالح الشعر الجديد.

وقد تعذر حضور الأستاذ عبده وازن، وقد قرأ ورقته نيابة عنه الأديب عبد الإله عبد القادر، والتي كانت بعنوان ( الوجه الآخر لمحمد الماغوط) ونقتطف منها : "لا أعتقد أن شاعرا استطاع أن يحافظ على أثره الجارح والعميق مثل محمد الماغوط. تقرأه مرة تلو أخرى فتشعر بأنك تقرأه للمرة الأولى. هذا شاعر قادر على التجدد دوما وعلى صدم قارئه حتى وإن حفظ هذا القارئ شعره غيبا. بل هذا شاعر قادر دوما على مواجهة اشراك الزمن التي يسقط فيها شعراء كثيرون تغزو الشيخوخة شعرهم باكرا. والمثير أن تجربة الماغوط الشعرية تجربة سهلة وغير معقدة، وأسراره الجميلة غير مغلقة ولغته بسيطة ولكن ممتنعة طبعا، لأنها لغته هو، لغته الشخصية النابعة من مزاجه الحاد، ومن جسده وروحه، من إحساسه الدائم بخيبة الضحية في عالم بلا رحمة، وفي حياة بلا عزاء

وقد أغنت حوارات الجمهور شخصية الماغوط وأعطت الندوة وهجاً مميزاً.

وفي ختام الندوة قدمت الشاعرة الهنوف محمد قراءات شعرية من ديوان (الفرح ليس مهنتي وقصائد أخرى) والتي أصدرته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بهذه المناسبة، كما قام الدكتور محمد عبد الله المطوع المين العام لمؤسسة العويس الثقافية بتكريم كافة المشاركين في الندوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



التعليقات