كان حدثاً ثقافياً رفيعاً، احتفى بالشعر والتشكيل وحوار الثقافات، وهو يقدم للعمل المنجز، في إطار إقامة فنية جمعت بين الشاعر الفرنسي برنار نويل والشاعر المغربي محمد بنيس والفنان التشكيلي المغربي محمد مرابطي، بالمركب الثقافي (المقام)، بتحناوت، في ضاحية مراكش.

  وتميز اللقاء، الذي تابعه السبت جمهور نوعي، بقراءات شعرية لبرنار نويل ومحمد بنيس، استمتع خلالها الحضور بقصيدة «ليل الحروف»، باللغتين الفرنسية والعربية، وجاء فيها: «لكنك لا تحب أن تنام في آخرة الليل صورٌ تأتي وتمحي أطياف متوالية تدخل عليك من باب الصمت وأنت من المنبع تشرب مثلما شرب الفقراء إلى الكلمات آيتك أن تظل عطشان في حرٍّ وبردٍ حشراتٌ تملأ الصدرَ تصعد تعلو قليلاً ثم قليلاً أكثر لديكَ العدمُ الذي وحده يقاسمك آخرة الليلْ خُذْ بيدك القلمَ اتركها ترتعشُ الحروفَ فيها تنفخُ اكتبِ الكلمة اكتبِ المختلفَ احْنِ رأسكَ فوق الورقة لا تلتفتْ للوحوش حولك من كل رهطٍ بأسماء يعسُرُ عدّها في واضحة النهار تفترس العابرينْ وصلتُ إلى هنا بعد أن امتدت طرقكَ تشعبتْ وفي النهاية اللانهاية اخفض صوتك جاءتك الكتابة بما لا تعرف الحياة في الموت الحياة الحياة استعارة تدنو من الصمتْ / ذبالةٌ بزيتها / في غرفةٍ / تضيءْ».

كما قرأ الشاعران مقاطع من «طريق المداد»، مما جاء فيها مترجماً، من المتوالية الخامسة، إلى العربية، على لسان محمد بنيس: «والآن طيورٌ سوداءُ تتَجمعُ أسفلَ الغيومِ / إنهُ لأمرُ الفمِ المريضِ وموتِ الدخيلةِ / لا شيءَ يستطيعُ الفكرُ حُيالهُ عابرٌ يتنفسُ كلماتٍ / نرى كلماتٍ تطيرُ في الوسطِ ثم تسقطُ كأنها صريعةٌ / تلتزمُ الصمتَ نُريدُ أن نَدفنَ اللغة تحتَ الأحجارِ / نفتش عبثاً من جهةٍ يمكنُ فيها للانتظار أن يجاورَ المستقبلَ / تعلمُوا بالأحرى أن تجترّوا أنقاضكمْ وأفٍّ للضميرِ / لم يعدْ في الرأسِ مكانٌ كافٍ للضميرِ ولعيونكمْ».
ويعد برنار نويل واحداً من أبرز الكتاب الفرنسيين، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، هو الذي «تأثر تكوينه الروحي بدراما الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية وحرب الهند - الصينية وحرب الجزائر، وبجدل الكبت والتمرد الذي ميَز زمننا»، كما نشر عشرات الأعمال الأدبية، التي توزعت بين الشعر والرواية والنقد الأدبي والتشكيلي، «يكشف فيها عن حساسية أصيلة وسريرة إبداعية نادرة مهمومة بفداحة الشرط الإنساني».
فيما عرف محمد بنيس، كشاعر، منذ 1969، تاريخ صدور ديوانه الشعري الأول «ما قبل الكلام»، قبل أن تتواصل التجربة الشعرية، على مدى السنوات اللاحقة، إلى اليوم، حيث نكون مع منجز شعري ترجم جزء منه إلى أكثر من لغة، نكون فيه مع عدد من الدواوين، بينها «شيء من الاضطهاد والفرح» و«في اتجاه صوتك العمودي» و«مواسم الشرق» و«ورقة البهاء» و«هبة الفراغ» و«المكان الوثني» و«كتاب الحب» و«نهر بين جنازتين».
وله أيضاً أبحاث وكتابات نقدية، تناول فيها عدداً من القضايا المرتبطة بالشعر العربي الحديث، بشكل خاص، من قبيل «ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب» و«الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها» (4 أجزاء)، فضلاً عن كل ما يحيط بفعل الحداثة، بشكل عام، من قبيل «الكتابة والمحو» و«حداثة السؤال» و«الحداثة المعطوبة» و«الحق في الشعر» و«شطحات لمنتصف النهار». كما عرف بترجماته الجيدة لعدد من الكتابات لكتاب مغاربة يكتبون بالفرنسية وغربيين، بينها «الاسم العربي الجريح» لعبد الكبير الخطيبي، و«أوهام الإسلام السياسي» و«قبر ابن عربي» لعبد الوهاب المؤدب، و«الغرفة الفارغة» لجاك آنصي، و«القدسي وقصائد أخرى» لجاك باطاي، فضلاً عن ترجماته لعدد من كتابات برنار نويل، بينها «كتاب النسيان» و«الموجز في الإهانة» و«هسيس الهواء» و«طريق المداد»، الذي هو عبارة عن 7 متواليات شعرية، كل واحدة منها مؤلفة من 7 قصائد، تضمها 7 رسوم محفورة بالأبيض والأسود للفنان الفرنسي فرنسوا رُووانْ.
فيما يبقى محمد مرابطي، كما كتب عنه الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي، «صاحب تجربة صباغية متميزة في مدونة الفن الحديث في المغرب، وأحد الأسماء النشطة المنخرطة في بلورة طموح التشكيل المغربي للخروج إلى العالم»، يعرف عنه أنه راهن، منذ بداية مساره، لتعزيز خياراته التشكيلية والجمالية، على «صياغة جملة تشكيلية خاصة ترتكز على توظيف الأثر المقدس والصوفي والمرتفع، وعلى علاقة ذلك بالكائن الأعزل الذي بات عرضة لهجمة التقنية، وتحوّل الزمن إلى آلة رهيبة»، فـ«استطاع بجهد فردي وروح منصتة أن يلفت الانتباه باكراً إلى طاقته الإبداعية الخلاقة المتجددة التي ما فتئ يعبّر عنها في أعماله الفنية، سواء في توظيفه للمادة (مسحوق الرخام، مثلاً) كسند أولي يعكس ارتباطه بالأرض، أو في تعامله مع المفردات اللونية الخافتة الخجولة والباردة، أو في اختياره لموضوعات معارضه المنحازة لكل ما يجعل الروح ترتفع بهواجسها وأوضاعها اليومية المأزومة إلى مراتب الصفاء، أو في اشتغاله على الخشب، كسند عوضاً عن القماش، وكلها عناصر تشكيلية تعكس أفكار واختيارات وفلسفة الفنان الجمالية».
وتميز لقاء «المقام»، الذي سبقه لقاءان آخران، احتضنهما المعهد الفرنسي بمراكش وثانوية توبقال بتحناوت، بفتح نقاش حول جملة من القضايا الثقافية، وتوقيع عدد من كتابات الشاعر الفرنسي، التي ترجمها محمد بنيس إلى العربية، ونشرتها دار توبقال المغربية، من قبيل «الموجز في الإهانة» و«كتاب النسيان» و«طريق المداد» و«هسيس الهواء».
وعن هذا المشروع، الذي يجمع فناناً تشكيلياً بشاعرين، في حوار يجمع شعراً باللغتين الفرنسية والعربية مع الفن التشكيلي، قال محمد بنيس لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع هو استمرار لتعاون يجمعه منذ عشرين سنة مع الشاعر الفرنسي، يتركز في تجربة يسهر عليها ناشر فرنسي، جمعهما بمحمد مرابطي من أجل إنجاز عمل ينشر لاحقاً في كتاب فني، يكون استمراراً لمشروع «طريق المداد».
من جهته، أشار مرابطي إلى العمل السابق الذي كانت جرت العادة أن يتم كل 3 سنوات، والذي كان يتلخص في الجمع بين الكتابة والصباغة، قبل أن يتوج بنشر كتاب فني، متحدثاً، في هذا السياق، بشكل خاص، عن التجربة التي جمعته بالأديب والشاعر الفرنسي ميشال بيتور، والتي تواصلت بعد وفاة هذا الأخير مع أديب وشاعر فرنسي آخر هو برنار نويل، الذي سيجمعه به، إلى جانب الشاعر محمد بنيس، مشروع «طريق المداد»، في متوالياته، بين 8 و11، وصولاً إلى «حروف الليل».
من جهته، تحدث برنار نويل عن ترجمة كتاباته إلى اللغة العربية، حيث أشار إلى أن هذه الأخيرة تتميز بقوتها البصرية، وجمال تشكيلها على مستوى الكتابة، وذلك على عكس الحرف اللاتيني، حسب قوله. وبخصوص تجربته الشعرية، شدد على أنه لا يحب أن يطلق عليه لقب «شاعر»، وزاد موضحاً وجهة موقفه، بقوله إن الشاعر لا يكون شاعراً إلا حين يكون بصدد كتابة شعره.
ورداً على من يقول إن الشعر لم يعد يصلح لشيء، خصوصاً في زمن العولمة، رد نويل، ضاحكاً، بقوله: «هو لا يصلح لشيء، فعلاً، من منطلق أننا لا نستطيع أن نحوله إلى سلعة

الشرق الاوسط



التعليقات