منذ أسابيع، وبعد صراع مع المرض، كان رحيل الأديب الأسباني الكبير، خوان غويتيسولو، عن عالمنا في مستقره الاختياري، مراكش، عن عمر ينهاز السادسة والثمانين. منذ عقود اختار غويتيسولو، صاحب رواية «رد اعتبار دون خوليان» 1970، الاستقرار في مراكش بجوار ساحة جامع الفنا الأسطورية، حيث تعيش الأساطير إلى جانب الواقع، معتبرا نفسه بسبب نفيه على يد نظام فرانكو، الذي قتل أيضا والدته في عز صباها، تجسيدا لحاكم سبتة، الكونت يوليان (خوليان بالاسبانية)، الذي أدت رغبته في الثأر لاغتصاب ابنته على يد حاكم القوط لوذريق (رودريجو بالاسبانية)، إلى إباحته شبه جزيرة أيبيريا للمسلمين لكي يعبروا البحر ويقيموا دولتهم هناك .
 من مراكش كان غويتيسولو يتطلع عبر البحر إلى وطن نفاه ولفظه، وأرض احتضنته ورعته ليبدع أدبا عظيما يدافع عن الانسان وقضاياه في كل مكان على الرغم من أنه كان معجونا بالغضب ومحوطا بالشتات، من أرض المغرب، لفلسطين، إلى الشيشان والبوسنة، كما جاء في «دفاتر العنف المقدس»، عن مشاهداته للظلم وأهوال الحروب التي دفعت ثمنها شعوب تلك المناطق المحرومة من عدالة العالم .
ولد غويتيسولو في برشلونة عام 19311، قتلت أمه خوليا جاي تحت قصف قوات فرانكو للمدينة الكتالونية، التي تطالب اليوم بالانفصال عن أسبانيا لتقرر مصيرها. اختار النفي عام 1956 على العيش في ظل نظام مستبد، من باريس إلى الولايات المتحدة ثم المغرب، ومصر، راهن الأديب الاسباني على أدب الواقع الاجتماعي، مما دفعه إلى ابتكار أشكال جديدة على النموذج الأدبي التقليدي، مما فتح أمامه المجال ليحلق في أفق العالمية، ليحطم القوالب في رحلة سعي لا تتوقف عن معنى الحياة، كما يتجلى في روايته «الأربعينية» التي اختار لأجوائها مقابر مصر الفاطمية وعوالم ابن عربي الصوفية .
أنا بخير طالما لم أكرّم
 في بداياته كان غويتيسولو يرغب في التخلي عن الأشكال النمطية التقليدية للكتابة الأدبية، من هنا وقع اختياره على ثربانتيس، مبدع رواية «الكيخوتة» مرشدا روحيا، لم يكن يدرك أن هذا الطريق، سيؤدي به إلى النفي والبؤس وعدم الاعتراف، والإغراق في الكآبة حتى آخر أيامه. كان غويتيسولو يكره الجوائز والتكريمات ويقول: «أنا بخير طالما لم أكرم. فإن كرموني، توجب علي أن أشك في نفسي». ولطالما انتقد من يحصلون على الجوائز خصوصا جائزة ثربانتيس، وقد أدى حصوله عليها واضطراره لقبولها، تحت ضغط الحاجة المادية، إلى التعجيل بنهايته بعد فترة اكتئاب امتدت حتى آخر أيامه بسبب شعوره بالسقوط في فخ تناقض مع مبدأ ظل ملتزما به طيلة حياته. كانت قناعة غويتيسولو أن يسلك سبيل كل الكتاب الكلاسيكيين المتمردين الذين حطموا قوالب اللغة الجامدة وأسلوب الرواية والشعر والمسرح .
ماض بلا ندم
 يتسم انتاج غويتيسولو الأدبي ببصمة هوية متفردة، جموح وتمرد لا حدود لهما، ماض بلا ندم، ذكريات مريرة وعنيفة مثل الحاضر المعاش، مع رغبة في التصالح ورد الاعتبار للتاريخ المنسي لبلاده، مما جعله يستحق أرفع الجوائز العالمية والمحلية في عالم الآداب الناطقة بالأسبانية .
من هذه الأعمال «ملامح الهوية»، 19666، منع نشره في إسبانيا، بأمر من نظام فرانكو، وحظر ذكره في وسائل الإعلام، لدرجة أن كبار الكتاب الذي انبهروا بإسلوب الشاب، الذي غير أسلوب السرد التقليدي الإسباني في ذلك الوقت، كانوا يشيرون إليه على استحياء ويذكرون العمل بإيحاءات خفية، خشية من بطش النظام. على غرار الكثير من الأعمال التي رفضت في اسبانيا في ذلك الوقت، نشر الكتاب في المكسيك لأول مرة. قال النقاد عن إبداع غويتيسولو في هذا العمل إنه يعادل الثورة التي أحدثتها قصيدة النثر في الشعر. عن هذا العمل يقول غويتيسولو «هذا العمل هو تعبير عن عدم رضائي عن أعمالي. من خلال كتاباتي الأولى أديت واجبي كإنسان، ولكن ليس واجبي ككاتب ».
تمرد ونظام
 يذكر أنه في باريس اختار أن يعيش بين البسطاء والمهاجرين في حي سانتييه الباريسي، حيث التقى وعاش مع زوجته الكاتبة الفرنسية مونيك لانغ. لم يكن رحيل لانغ عام 1996 سهلا على غويتيسولو، كان ضربة قاصمة جعلته يشعر بثقل الزمن على كاهله، ومن هذه التجربة استوحى آخر أعماله الأدبية «إسدال الستار» 2003، وإن كانت لا تخلو من نفس شعور المرارة الذي لم يفارق أعماله بسبب تجربة طفولته في ظل فترة ما بعد الحرب، ومقتل أمه على يد قوات نظام فرانكو، وهي نفس السمات التي يجدها القارئ في أعمال مثل «الجامح» و «في حضرة ملوك الطوائف»، اللذين أثارا جدلا واسعا في حقبة الثمانينات، خاصة مع تحول اسبانيا إلى الديموقراطية .
 على الرغم من تمرده، كان غويتيسولو منطقيا ومنظما، يتسم بهدوء الطباع، خجولا إلى حد الانطواء، لديه القدرة على الغرق في الصمت لفترات طويلة، كما كان بوسعه إثارة الجدل لأبعد حدود. كان مدققا في التفاصيل، ولا يقنع بالأمور العادية، صعب المراس، حتى على نفسه، وهذا جعل منه عين ناقدة لا ترحم لتقاليد الثقافة والسياسة الأسبانية .
على قائمة الكبار
 على غرار الكونت يوليان من منفاه في سبتة، كان غويتيسولو يتابع من مراكش لحظة بلحظة التطورات التي تطرأ على المجتمع الأسباني، خصوصا عالمي الثقافة والسياسة، مستعينا في ذلك بجريدة الباييس، التي عمل مراسلا حرا لها، ليبقى دوما على حافة التمرد. في أحدث أعماله «اختبار الأذكياء»، يبرز رفيقه ومجايله مانويل كاباييرو بونالد، القدرة النقدية التي اتسم بها غويتيسولو، ونزاهته المطلقة حيال الأدب الاسباني، ليضعه في مصاف كبار الكتاب الكلاسيكيين أمثال فرناندو دي روخاس وخوان دي لا كروث وبلاكو وايت واوكتافيو باث .
 «هذا لا يعني تأطير غويتيسولو في هذه القائمة المتنوعة التي تضم أسماء مرموقة من الكتاب، المفكرين والمبدعين الأسبان واللاتين، بل أحاول أن أعطي كل واحد منهم الإشادة التي يستحقها لمكانته المرموقة كمتمرد على تاريخ موسوم بالجمود والتشوهات»، يؤكد كاباييرو بولاند .
مدافع عن الثقافة العربية
استقر غويتيسولو منذ 19966 في مراكش، حيث رعى وتكفل بعائلة صديقه عبدالهادي، الذين بسبب شعوره بالمسؤولية حيالهم اضطر إلى قبول جائزة ثربانتيس، لتأمين مستقبلهم. واختار في النهاية أن يكون مثواه الأخير في ظل الناس الذين شعر بجوارهم بدفء العائلة .
 كان غويتيسولو من أبرز المدافعين عن الثقافة العربية والتراث الإسلامي في اسبانيا، وكان يتباهى علنا بأنه أول أديب منذ القرون الوسطى الذي يجيد العربية إلى جانب الأسبانية. كما كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، وتنبأ بثورة تونس والإطاحة بنظام مبارك، وفي القاهرة بعد ثورة يناير، أكد في محاضرة له بمعهد ثربانتيس مع الأديب المصري علاء الأسواني، مخاوفه من مرحلة ما بعد الثورة .
 قبل أسبوعين من حصوله على جائزة ثربانتيس، سلم غويتيسولو لناشرته كارمن بالسيلز، مسودة آخر أعماله الفكرية، مع وصية بنشرها بعد عشرين عاما من رحيله، وحينما سئل عن موضوع الكتاب، قال «أمور اجتماعية وشخصية»، وعلى الرغم من بساطة الإجابة إلا أنها تعبر بأفضل صورة عن أعمال أديب قطع رحلته حتى النهاية متصديا لقلقه وهواجسه الوجودية بكل أنواعها خلال مراحل حياته .

 



التعليقات