سعى 59 مصوراً فوتوغرافياً إلى إحياء الفضاء الفوتوغرافي لمدينة الإسكندرية وعلاقتها الأثيرة بمكتبتها العتيقة عبر الزمن، من خلال المعرض الذي تنظمه مكتبة الإسكندرية تحت عنوان «المكتبة... المدينة: رؤي فوتوغرافية»، ويستمر إلى 26 آب (أغسطس) الجاري.

ما بين خطوط الجغرافيا والتاريخ وتقاطعات الثقافة والعمارة والفن دروب شتى سلكها الفوتوغرافيون الذين تحركوا من شارع إلى شارع، ومن مبنى إلى آخر، مروراً بحِرف قديمة أهال عليها الزمن ثراه، وأخرى استحدثها معاصرون بقيَم رقمية وتفاصيل اكتظت بالرموز والإشارات الدالة على عصر بكامله. حالة من الجدل أثارها نحو 105 أعمال فنية شكلت بانوراما كاشفة ما بين الأبيض والأسود وما بينهما من درجات ضوئية عفوية ومتأملة.

والمجموعات اللونية الكاملة تركها أصحابها من دون تدخل، على أن القاسم المشترك بين اللوحات الفوتوغرافية يتمثّل في عدم استخدام الفنانين التقنيات التكنولوجية وبرامج المعالجة الرقمية، رافضين مساندة أدوات الواقع الافتراضي لإضافة أبعاد جمالية أو لحذف تفاصيل فنية وتنقيح أخرى، الأمر الذي يدلّ على دقة ومهارة وحرفية يتمتع بها الفوتوغرافيون، مع أن غالبيتهم من الهواة.

يأتي تنظيم هذا المعرض في إطار الاحتفال باليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، وقد اختيرت الأعمال المشاركة ووظّفت وفق نسق خاص أقرته إدارة المعارض والمقتنيات الفنية في مكتبة الإسكندرية بعد مسابقة شارك فيها الفنانون. واختارت هذه الأعمال لجنة فنية تكونت من التشكيلية سلوى رشاد والفوتوغرافية المحترفة والأستاذة المساعد في كلية الفنون الجميلة في الاسكندرية هديل نظمي.

عن المعرض تقول سلوى رشاد إنه «يقدم أعمالاً تباينت بين محاكاة الواقع من خلال التوثيق إما لأماكن المدينة وأجوائها الكوزموبوليتية وتاريخها وجمالها وإبداع مبانيها عبر القديم وصولاً إلى الحديث الذي لم يخل من روح التراث، وإما مشاهد لأعمال الناس اليومية مثل الصيادين وهم منهمكون في جَدْل شباكهم أو المارة في الشوارع، أو بورتريهات لأشخاص آخرين استهوتهم جماليات الشكل فتمكنوا من التقاط إبداع الطبيعة وإظهار تفاصيلها وتتبع جزئياتها، وكذلك مشاهد داخل أروقة مكتبة الإسكندرية وقاعاتها، وذلك في محاولة لتقديم عالم ورؤية خاصة بالفوتوغرافيين».

وتضيف: «كلٌّ حاول أن يصنع حكايته مع الصورة عبر إنشاء جوّ أسطوري. هناك من استخدم جسده كجزء لا يتجزأ داخل حدود الصورة ليخرج بإطار لمنطقة أكثر جدلاً»، لافتة إلى أن «بعض المشاهد طافت أروقة مكتبة الإسكندرية حيث أضاف أحد الفنانين عنصراً يثير التساؤل داخل المشهد ما أضفى جواً غرائبياً على العمل».

وفي صور أخرى كان البحث عن بقع الضوء واصطيادها حيث سكنت جماليات المكان داخل تلك الخطوط والتقاطعات التي نسجتها المساحات المتجاورة.

ويقول الفنان أحمد جابر المشارك في المعرض: «التقطت صورة لرجل جالس في منطقة كوم الدكة الأثرية قبل الصلاة، تبدو على ملاحه التقوى. واستخدمت تقنية الأبيض والأسود لأنها تكون محملة بمشاعر وروحانيات أقوى، بعيداً عن ثرثرة الألوان التي تأخذ العين نحو منعطفات أخرى».

وتحمّل الفنانة نهى هانو مشاركتها ذكرى «غير سعيدة»، فقد التقطت صورتها يوم تفجير الكنيسة المرقسية في الإسكندرية حيث كانت قرب مكان الحادث تلتقط صورتها. وتوضح أن الصورة ليست لها علاقة بالتفجير فهي لصياد طاعن في السن متفائل مخلص في عمله، «مجرد النظر في وجهه أشعرني بالسعادة، ثم صدمت بعد التفجيرات».

والتقطت ياسمين مصطفى صورة لقصر قديم بجوار كلية الفنون الجميلة «تفاصيله المعمارية تسرق الأنفاس». بينما لوحة عصام حجازي التقطها من أعلى وهي لعدد من صيادي السردين، مشيراً إلى اهتمامه بجودة التكوين والعلاقات الفنية بين الكتل.

وأكد مدير إدارة المعارض والمقتنيات الفنية في مكتبة الإسكندرية جمال حسني لـ «الحياة» أنها المرة الأولى التي تستضيف فيها كبرى قاعات المكتبة معرضاً كاملاً للتصوير الفوتوغرافي، لافتاً إلى أن معارض الفوتوغرافيا دائماً ما تكون جزءاً من معارض تشكيلية.

ويأتي المعرض على هامش الاحتفال بـ15 سنة للمكتبة وفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، ويقول حسني إن كل فنان «قدم رؤيته الخالصة لعلاقة المدينة بالمكتبة، وهي رؤية ليست تقليدية ولا كلاسيكية وبعيدة من الوثائقية، فتبرز كل لوحة إبداع الفنانين في التقاط الجزئيات في أوقات وأمكنة مختلفة، تمازجت فيها التفاصيل من مناطق مختلفة لتشكل لوحات جمالية متصلة».

جريدة الحياة



التعليقات