مازلتُ أذكر هذا المشهد عندما كنتُ صغيراً؛ أبناء عمّتي يفتحون حقائبهم بعد عودتهم من رحلة صيفية إلى باريس، ويخرجون الصور التي التقطوها في أحد الاستديوهات هناك، حيث لبسوا أزياء قديمة وتصوّروا، كما يفعل غالبية السياح. ثم أخرَج أحدهم مجموعة أفلام؛ وقال إنه سيذهب بها في اليوم الثاني «لتحميضها» في الاستوديو. قضينا ساعات نستمع إلى حكاياتهم عن باريس وبرج إيفل وشارع الشانزليزيه، ثم عدت إلى البيت وقد صارت زيارة باريس وصعود برج إيفل أحد أحلام الطفولة التي تحققت بعد أن كبرت .

وعندما كنت صغيراً كان أبي يأخدني مع إخوتي إلى خياط في سوق الذهب بدبي. صار صديقاً لصاحب المحل الذي كان يقدم لنا الشاي والقهوة، وكُنّا أنا وإخوتي قد صرنا أصحاباً مع العامل الذي يأخذ قياساتنا، واستمرت علاقتنا به لأكثر من خمسة عشر عاماً، حتى إننا عندما كبرنا قليلاً كنا نذهب إليه دون أبي، فنختار الثياب، وننصرف بعد أن يأخذ العامل قياساتنا دون حتى أن ندفع له مقدماً أو يعطينا فاتورة.. كان الخياط جزءاً من العائلة والذاكرة معاً .

وعندما كنتُ صغيراً أيضاً كانت جدتي، رحمها الله، تأخذنا أنا وأخي بدر إلى سوق العطّارين بالشارقة، كان صاحب المحل يعرفها جيداً لأنها تعالج الناس بالأعشاب. كان يتناقش معها في الخلطات الجديدة، وكنّا نستمع إلى حوارهما بإنصات، ومازلتُ أذكر بعض تلك الأعشاب التي أستخدمها أحياناً في بيتي، وأصفها لأصدقائي. لم تكن حياتنا بطيئة، بل هادئة، مليئة بالتأمل والإنصات والتجارب. ربما كان للطفولة دور في تلك المشاعر، لكن الناس عموماً كانوا أكثر هدوءاً، وأقل قلقاً، وبالتالي أقل أوجاعاً وشكوى. كان ارتباط الناس بالأشياء حولهم لطيفاً، تجري الحياة من حولهم بإيقاع مستقر، حتى القيادة في الشوارع كانت أكثر عقلانية، وكُنّا عندما نرى شخصاً يمر بسيارته مُسرعاً نصيح: «لا بد أنه يقود بسرعة مئة!» وعندما كان أبي يفاجئنا بلعبة جديدة تنفتح أبواب السعادة أمامنا على مصراعيها، ونقضي أشهراً نستمتع بها. أحضر لي ولأخي مرة دراجتين هوائيتين في العيد، فاستعملناهما لسنوات عدة، وكلما تعطلت إحداهما كنا نأتي بقطع الغيار ونصلحها في البيت إلى أن صرنا خبراء في إصلاح الدراجات. كان مشهد الدراجات القديمة تحت أطفال الحي مألوفاً، فرغم توافر الرفاهية والمادة، لم يعتد الناس على استبدال أغراضهم بسرعة وسهولة .

لكنني عندما أنظر إلى أطفالي وأبناء وفتيات جيلهم اليوم قلّما أرى نظرات الدهشة في عيونهم، فهم ينتظرون التالي على الدوام. يحصلون على لعبة فيرمونها بعد أيام، وينتظرون اللعبة التالية. حتى نحن الكبار نشتري هاتفاً وبعد أشهر نبحث عن مواصفات الهاتف التالي، والتطبيق التالي.. نستمع إلى أغنية ثم ننساها بعد أيام، ونبحث عن الأغنية التالية.. اسأل نفسك الآن: متى كانت آخر مرة خرجت من فيلم وتأملت أحداثه لأيام عدة؟ متى شاهدت فيديو على «يوتيوب» وبقي في ذاكرتك؟ لقد أصبحت الأشياء متوافرة في حياتنا أكثر مما نحتاج، فصرنا نأكل أكثر مما نشتهي، ونسمع أكثر مما نريد، ونقول أكثر مما نعرف. صارت الأماكن باهتة، والتجارب باردة، والعلاقات جامدة، لهذا لا يبقى شيء منها في الذاكرة. صار كل شيء حولنا يدعو للبحث عن التالي، الصورة التالية في «إنستغرام»، السيارة التالية، السفر للدولة التالية! صارت المطاعم تتكاثر كسكّان الصين، وأنواع القهوة تُنافس أنواع الصابون في المحال، فانحسرت المتعة، وبهتت المفاجأة، وصار التريّثُ فِعلاً مُملاً. لا أكتمكم سِرّاً: وأنا على وشك الانتهاء من كتابة هذا المقال قلتُ في نفسي: «التالي ».

الامارات اليوم