ماذا يقول صوت المرأة عند الغناء؟ حديثه أبعد من الأغنية؟ يعكف نقد الأغاني موسيقياً عادة على دراسة المساحة الصوتية، كم من ديوان «أوكتاف»، أي كم من درجة من أدنى القرار إلى أقصى الجواب، وما هي مرتبته في تصنيف الأصوات، وما هي جمالياته في التعبير وسلامة الانتقال والتلوين والتحكم. ثمّة ما ورائيات في غناء المرأة ليس لها علاقة بالموسيقى، مبحثها في العلوم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والأنثروبولوجية، علم وصف الإنسان، والإثنو موسيقى؛ أي علاقة الموسيقى بعلم السلالات.

هنا لا يقتصر البحث على مغنيّة بذاتها، بل دراسة لظاهرة أداء غنائي يشمل غناء المرأة في شعب أو أمّة. يضطر الباحث إلى استثناء جل مناطق العالم، والعكوف على شبه القارة الهندية والصين وجوارهما. القارئ يعرف ارتفاع طبقة الصوت لدى المغنيات الهنديات، ومثلهن مطربات بنجلاديش، نيبال، سريلانكا ... إلخ. شتان ما بين وجه أشهر الأصوات النسائية في الهند «لاتا» وبين صوتها. المغنية الهندية تبدو وكأنها طفلة أو مراهقة. دوزان الحنجرة دائماً مرتفع، قل سوبرانو. ظاهرة عجيبة حين تنطبق على شعب تتجاوز نفوسه المليار. في المقابل ترى الأصوات الرجالية كلها مصنفة في طبقة منخفضة، قياساً، ميّالة إلى عدم الصعود إلى الطبقات العليا، كأنها تقول: إن الوقار الرجوليّ مكانه القرار. كأن الصوت النسائيّ يبدي الدلال للجنس الآخر بالصبا الغض. لكن كأنه يكشف الجذور التاريخية البعيدة للعلاقة بين الجنسين: مكانة الرجل بوقاره وسلطته الأبويّة والروحيّة، لا تسمح له بكثرة التحرك في المساحة، لذلك نراه عندما يغني يذكرنا بغناء «الراجا» العريقة ذات الأصول الدينية، فيأتي الغناء في مساحة محدودة، لأن الطبقات العليا «صياح» (بافاروتي أبدع في تعريف الغناء الأوبراليّ، قال: إنه صياح مثقف)، والصياح لدى صاحب المكانة طيش وفقدان وقار. أمّا المرأة فعندما تتخفّى وراء الصوت الطفوليّ تصبح حرّة في المرح والقفز عالياً، واللعب وكسر حدود الجوّ الوقور الجامد.

الطريف في هذا التوازي النسائي الرجالي، الذي يحدد للجنسين أسلوبين مختلفين في السلوك الغنائي، أنه أوجد تجاوباً عاطفياً في القمة، يمكن تلخيصه في ديمقراطية العلاقة. ألا ترى أنه لا يوجد شعب لديه ثنائيات غنائية كالهنود؟ عشرات الألوف من الأغاني التي تدل على جذور دينية واجتماعية واقتصادية (الإنفاق مصدر سلطة)، إلى جانب «فارق السن» من خلال الطبقة الصوتية، لعبت كلها دوراً في نشوء هذا الغناء وتكامله. فرادة لها أبعادها ورموزها.

لزوم ما يلزم: النتيجة الديمقراطية: فات قاسم أمين أن يضيف ديمقراطية الغناء كأنجع أساليب تحرير المرأة.

 

جريدة الخليج