رحيل لا يخلو من شغب ذاك الذي حصل بموت تودوروف. شغب عرفه شاباً حين اختار الهجرة - الهرب بالأحرى - من بلغاريا الستالينية وهو في الثالثة والعشرين، إلى باريس المتحررة والمنفتحة على الآخرين آنذاك: لغاتهم وثقافاتهم كما رسم لها في مخيلته. يغيب تودوروف المهاجر أو المنفي بعد أكثر من نصف قرن في المغترب الباريسي... وغيابه يأتي في لجة الحوادث المتلاحقة والعاصفة حول الهجرة والمهاجرين. هؤلاء الذين لم تبتلع حيواتهم أمواج البحر أو رصاص الحروب الأخوية المدمرة. تضيق المساحات فلا يجد الناجون من البحر أو عابرو الحدود في رحلة سيزيفية قاسية ملاذاً، فيغرقون في الانتظار والحجز والطرد.

العودة إلى تودوروف المهاجر لمناسبة غيابه كانت عبر ما كتب عن تلك المعضلة السرمدية: نحن والآخرون! ذاك عنوان كتاب له (ترجمته إلى العربية ربى حمود عام 1998، وهو كما يقول تودوروف في تقديمه استمرار لاهتمامه منذ كتب «فتح أميركا» عام 1980 الذي لا يبدو راضياً عنه؛ لأن التحليل العقلي فيه لم يكن يفضي إلى عمق الأشياء. لقد اختار إذاً العودة إلى الموضوع كما يلخصه بالقول: العلاقة بين «نحن»- مجموعتي الثقافية والاجتماعية - و «الآخرين» أولئك الذين لا ينتمون إلى مجموعتي- العلاقة بين تنوع الشعوب والوحدة البشرية. وهو اختيار كان مناسباً لتمثيل ما يسميه وضعه الشخصي الخاص ووضع فرنسا.

هنا يحاول ألا يعود للموضوع من زاوية النظر تلك. فليس لديه ما يقول بعد في المعضلة. فيجد الحل في الاستعانة بعقول رأى أنها تأملت عبر الأزمنة عناصر المعضلة. حوالى خمسة عشر مفكراً درسوا الموضوع من زوايا مختلفة، ومتقاطعة حتماً. كلهم من فرنسا التي يرغب في أن يعرفها أكثر، ما دام قد اختار العيش فيها رغم كونه «غريب الأصل» بعبارته... هكذا راح «يندس» بينهم كما يحلو له أن يصف وضعه كمؤلف للكتاب، يقوم باستقراء أفكار»الآخرين» بالنسبة له. ولا يتوقف عند التاريخ بل يهدف إلى التأمل في التاريخ. ويحدد وجهته بأنها تاريخ الفكر. صارت العقائد والمعتقدات بسبب ذلك مادة الكتاب وبذرته أو بؤرته. يحترز تودوروف بأنه لا يعني بذلك الأعراق ولا التصرفات العرقية، وإنما المبررات التي أعطيت لها، كما للفتوحات الاستعمارية كما يقول.

لكن تودوروف ليس محايداً. سيلقي بنفسه في عرض أو سجال منفرد مع كل كاتب يسميه «حواراً» لاعتقاده بأن ذلك أفضل سبيل لإسقاط الموضوع على التاريخ، وعدم الاكتفاء بعرض الحجج بل إمكان قبولها أو عدمه، يبدأ تودوروف من الحاضنة الزمنية التي نشأت فيها أفكارهم؛ فيصنفهم إثنيّين شموليين ونسبيين، وإنسانويين وعلمَويين: مونتين ورينان، روسو ومونتسكيو حتى شتراوس وشاتوبريان والرحالة والسائحون وسواهم، تقوم على انطباعاتهم وتأملاتهم صور الآخرين التي يرونها بعقولهم.

قراءة تودوروف كاشفة وليست مسْحية. أي أنه يزيل الستار عن الخطاب وجذوره التي تغلفها اللغة. القيم، العادات، الأعراف ليست إلا تسترات على الإثنية والقومية والنسبوية مقابل الدعوة إلى الإنسانية والوحدة البشرية عبر التنوع ذاته. كثيراً ما يؤدلج الاستعماريون مقولاتهم وأفعالهم مبررين الأمر بالحفاظ على الأعراف والعادات. هذا الذي عدنا نسمعه اليوم في أميركا وأوروبا لتبرير رفض الآخر الذي ازدادت المخاوف منه بوسائل شريرة لا يصعب فهم دوافعها، ولكنها في الأيديولوجية الاستعمارية كافية للترهيب العام من أخطارها على الأعراف والعادات والثقافات التي عرفتها تلك المجتمعات، أو أشاعت مبادئها شعارات لها. يستنجد تودوروف بتوصيف شتراوس لإنسانوية عصر النهضة التي حصرت عيّنة الإنساني بالثقافات الأوروبية وحدها. وجهلت أو احتقرت ثقافات القارات الأخرى... سيترتب على تلك القناعة التوسع الاستعماري كحل لإنقاذ تلك الشعوب بشمولها بأنوار النهضة وإضاءة حياتهم بمبادئها، أي بفرض ثقافاتهاعلى تلك الشعوب وما يلحق من عادات وأعراف.

في قراءتنا اللاحقة للكتاب والتغير الحاد في العلاقة بين الـ «نحن والآخرين» سنجد وهماً مضاداً. جماعات كثيرة من الـ «نحن» تذهب إلى الغرب لتثبيت أعرافها هي وتقاليدها وثقافاتها. من الأزياء والأطعمة، حتى العبادات وطرق التعليم. وهذا انعكاس لم يدر بخلد تودوروف ربما في الحين الذي ألّف فيه الكتاب. لكن ما يحصل يمكن أن يعد النتيجة التي سيصل إليها البشر في حال قمع تنوعهم.

يهتدي تودوروف بحكمة من روسو ملخصها أن شخصاً لم يرَ إلا شعباً واحداً، سيعرف الناس الذين عاش بينهم، لكنه لن يعرف البشر أبداً، ويصل إلى يقين: إن أفق التفاهم بين خاصَّين اثنين قد لا نبلغه أبداً رغم أننا في حاجة إلى طرح وجوده لفهم الأمور الخاصة التي تفضي إلى الشامل. ذلك سيمد خيطاً آخر من روسو: يجب اكتشاف خصوصية كل شعب وفروقه المحتملة عنا. بينما يقترح رينان التداوي باللغة لإلغاء الفروق ونبذ التعصب. ويقول إن المسلم الذي يعرف الفرنسية لن يكون مسلماً خطيراً أبداً. وهذا ما ستخذله الشواهد المتأخرة عن متعصبين لم تقلل الفرنسية أو اللغات الأخرى من خطرهم. التواصل سينقطع تصادياً مع تغيرات سياسية وديموغرافية واجتماعية يتعدى أثرها الحدود كلها: الجغرافية والإنسانية والأخلاقية لتتمثل باسم واحد: التعصب الأعمى والعنف. رينان كأنما يصحح قناعته تلك، يقول: إن الفرد العضو في عرق لا يستطيع إطلاقاً الخلاص من هذا العرق ولا تفيد التربية كثيراً. وهو أمر يمكن اعتباره وصفاً لصعود الأعراق على حساب الإنسانية الشاملة.

بالمقابل معاناة الاقتلاع من العرق- كما لو في وضع نباتي - ستصيب الفرد بالموت في تربة أخرى.» في فقدان الثقافة مصيبة إذاً» يقول تودوروف، تؤدي إلى إفقار المرء وعالمه وربما زواله... أما المثاقفة فهي القاعدة لا الاستثناء. أن نعطي ونأخذ كإيجاز لما يراه» فنحن لا نولد فرنسيين ولكننا نصبح كذلك». لكن المهاجر «بقدر ما يكون بعيداً عن ثقافة بلده، يزداد شراسة في المحافظة عليها». مصداقية ذلك ما نراه في أحياء المهاجرين من تمثلات تطابقية لثقافاتهم الأصلية، وصولاً إلى حالات حنين متطرفة، تعيش أحياناً على ماضي تلك الثقافات وتراثها.» في الموسيقى والغناء والزي والعادات اليومية والمناسبات مثلاً». الحي الصيني في نيويورك والأحياء العربية في ديترويت.

ولكن ماذا عن ذهاب الآخر إلى الـ «نحن» رحالةً أو سائحاً يستكشف الطبائع لدى الشعوب أو يتيقن من تصوره لها؟ سيصنف تودوروف هؤلاء الرحالة ونظرتهم للمتوحش والمتحضر، ويمثل مطولاً برحلة شاتوبريان إلى أميركا، واكتشاف مطاردة الأوروبيين للهنود عند احتلال أمريكا. لكنه لم ير في مصر مثلاً إلا الأهرام وهي بقايا حضارة بائدة والأجمل في مصر عداها هو ما أنجزه الفرنسيون في زمن حملة نابليون. هكذا يقرأ الرحالة التاريخ والحاضر ويحكم على المستقبل. إنه رحالة متمثل. يفسر اختلاف الآخرين وكأنه نقص عندهم. أما المستفيد فهو الرحالة الذي يستخدم الآخرين لمصلحته. ولكن السائح زائر مستعجل يفضل الأنصاب والشواهد على الكائنات الإنسانية. وأخيراً المهاجر الذي يريد معرفة الآخرين؛ لأنه مضطر للعيش بينهم. ويريد أن يشبههم ليقبلوه عندهم. ومثله المنفي الذي يرى في غربته شعبه وبلده ويندمج بالآخرين لتأكيد وجوده. وفي حال الجميع، سنجد أن الوسط الذي يعيشون فيه يدفعهم لاستنساخ التصرفات التي ترضيه.

رحل تودوروف بينما تجسمت الهوة بين الـ «نحن» و«الآخرين». ما نقله عن كتيب لموريس باريس بعنوان «ضد الغرباء» نشره عام 1893 يعمل بقوة الآن وبفاعلية ضد الآخرين دون تمييز. يقول باريس في كتيبه ذاك «في فرنسا عدد زائد من الغرباء... الأجنبي يسممنا مثله مثل طفيلي»، ولم يطرأ ما يجعل الغرب يتخلص من هذا الذعر حتى بعد قرابة قرن وربع.